"وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ "
بعض الطيبين يقدم محتوى عفويا وربما كان مفيدا قصة أو قصيدة أو تجربة خاصة
فتطير بها المواقع ويشتهر شهرة ينوء بها
وهو طيب في ذاته، وليس لديه أهلية ليقدم محتوى مفيدا
وليس هو تافها ليقدم طرحا تافها..
فيزين له الشيطان أن يواصل النصح والتوجيه وربما الوعظ والتعليم
تحت وطأة الشهوة الخفية بالبقاء مشهورا وإغراء الظهور
فينتقل إلى ورطة الفِرية على الله والكذب على شرعه ودينه والقول على ربه بغير علم.
وهذه ورطة مهلكة أشد من هلكة التفاهة نفسها.
﴿ رَبِّ قَدۡ ءَاتَیۡتَنِی مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِی مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِیِّۦ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ تَوَفَّنِی مُسۡلِمࣰا وَأَلۡحِقۡنِی بِٱلصَّـٰلِحِینَ﴾
لم يسأل يوسف عليه السلام لقاء ربه وهو
في غيابة الجب
ولا وهو في الرق والغربة والظلم
ولا في وحشة السجن
بل سأله في لحظة كمال العافية والعز والسلطان واجتماع الأحبة..
أصدق الأشواق إلى الله تملأ قلب المؤمن في ساعة السعة والرغد وطيب الحياة..
فلا يتمنى الموت لسأم من الحياة أو لتوجع من لأوائها أو أمراضها
بل شوقا محضا للقاء ربه.
القول في تأويل قوله:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
قال أبو جعفر: وهذا تكذيب من الله تعالى ذكره هؤلاء الكفارَ المنكرين البعثَ بعد الممات في قولهم: إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، [سورة المائدة: ٢٩] .
يقول تعالى ذكره، مكذبًا لهم في قيلهم ذلك:"ما الحياة الدنيا"، أيها الناس ="إلا لعب ولهو"، يقول: ما باغي لذاتِ الحياة التي أدْنيت لكم وقرّبت منكم في داركم هذه، ونعيمَها وسرورَها، فيها،والمتلذذُ بها، والمنافسُ عليها، إلا في لعب ولهو، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذِ فيها بملاذّها، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه، ثم يعقبه منه ندمًا، ويُورثه منه تَرحًا. يقول: لا تغتروا، أيها الناس، بها، فإن المغتر بها عمّا قليل يندم ="وللدار الآخرة خير للذين يتقون"، يقول: وللعمل بطاعته، والاستعدادُ للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تَبقى منافعها لأهلها، ويدوم سرورُ أهلها فيها، خيرٌ من الدار التي تفنى وشيكًا، فلا يبقى لعمالها فيها سرور، ولا يدوم لهم فيها نعيم ="للذين يتقون"، يقول: للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه، والمسارعة إلى رضاه ="أفلا تعقلون"، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذّبون بالبعث حقيقةَ ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهوٌ، وهم يرون من يُخْتَرم منهم، ومن يهلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها، واستعباد النفس لها = ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له، بغير إشراك شيءٍ سواه معه.
بين الراغب أهمية الرجوع إلى أهل العلم؛ مستدلا بقوله تعالى:
﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِینَ یَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾
والاستنباط هنا منصب على مورد النص، وهذا الأمر لا يتأتى لكل أحد كما هو ظاهر من الآية، فالمستنبط : "…كل مستخرج شيئًا كان مستترا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب"، وهذا مختص بأهل العلم، وحينئذ كان إدراكه صعب المنال، ومن لم يؤتَ حظا من العلم والفهم؛ كيف يتسنى له ذلك؟
ولا يعني هذا أن من كان لديه قليل من العلم صار من أهل الاستنباط وأصبح قادرًا على تحرير المعاني؛ بل لا مطمع له في ذلك حتى يكون من الراسخين في العلم، ولا أدل على هذا مما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: "كان عمر رضي الله عنه يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما رئيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في: {إذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} حتى ختم السورة-؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس أكذاك تقول ؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟
قلت: هو أجل رسول الله، أعلمه الله له: إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، فذاك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم"، فهذا الاستنباط لم يتوصل إليه إلا عمر وابن عباس رضي الله عنهما.
فأهل الاستنباط أخصُ من العلماء، فكل مستنبط عالم، وليس كل عالم مستنبطا، فدرجة المستنبطين أعلى من درجة العلماء.
(وبالوالدين إحسانا)
رتب الله الأمر بالإحسان على صفة (الوالدية) فحسب.
فالوالدية هي علة الأمر بالبر والإحسان.
مهما كانت أحوال الوالدين وتاريخهما مع الولد
أيا ماكان تربيتهما ومستوى إحسانهما وطريقة تعاملهما
تعليق البر بتاريخ الوالد وقدر إحسانه إليه بوابة للعقوق
ومعادلة ظالمة
فاللطيف الخبير هو الذي قضى بحق الوالدين وأمر به
ولم يتقيد الوالدين بصفة
بل حين علل علل بالإحسان إليهما بمجرد الحمل والوضع والرضاع
قال سبحانه:
(حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنࣲ وَفِصَـٰلُهُۥ فِی عَامَیۡنِ)
هذه حقوق مطلقة لا تقبل التقييد من عقول البشر
والبر أنفع للولد من والده.
نعم ندعو إلى العناية بالأولاد وتربيتهم
لكن بدون خطاب النفعية الذي لا يرتب حقوقهما إلا بعد شروط نمليها من عقولنا.
وقرأت لبعض الفضلاء قوله يقارن بين وضع الأم للولد في الحضانة ووضع الوالدة في دار المسنين.
وهذه مقارنة ظالمة مجحفة مؤلمة
ومع القطع بحسن مقصد صاحبها لكن لا يليق إملاء هذه المقارنات في عقول الابناء دون تحرزات وقيود.
فأنت مأمور بالبر في كل الظروف.
(فنادى في الظلمات)
يظهر والعلم عند الله تعالى أن التنصيص على قوع النداء في الظلمات هنا للدلالة على أمرين:
أولها كمال قدرة الله تعالى في تفريج الكربات مهما عظمت.
وثانيهما وهو ما أريد بسطه هنا:
الثناء على يونس في هذا الموضع خاصة وبيان فضيلة له مع كونها سببا للإجابة أيضا.
وهي أنه دعا وهو في الظلمات..
وقد يقول قائل إن من المعتاد أن يلجأ الناس في الكروب الخانقة إلى ربهم.
ولكن هذا ليس دائما
بل كثيرا ما يختنق العبد بهمومه فلا يتكلم ولا ينطق ولا يدعو
ويبلس فلا ينادي ربه.
في أحوال الضيق والغضب والانقطاع والألم يشتغل الإنسان بمواجعه ويذهل بها عن كل شيء.
من يوفقه الله في تلك المضايق من غضب أو حزن او يأس أو ألم إلى الدعاء فهذا علامة أن الله يريد أن يجيبه.
من السهل أن تدعو في الحرم وأنت ترتدي الإحرام والملايين يدعون حولك.
من السهل وأنت في عافية في مسجد بارد أن تدعو بين الأذان والإقامة.
لكن أن تدعو في زحمة خانقة أو أوجاع تطعن جسدك أو غم يطحن نفسك وقلق يمزقك. أو غضب يجتاحك.
أو بعد خبر صاعق تنطفئ معه الأنوار حولك.
ثم تقول رغم طحن الآلام
يارب يارب يارب
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
في غاشية العذابات المتوالية
يثور توحيدك وتنزيهك وتعظيمك لربك وتقبل ذكريات خطيئاتك.
فتتخطى كل هذا الزحام من الألم المكتظ فيك وحولك.
لتعبر إلى قلبك وتعلو فوق الحزن والكرب والألم.
فتفيض على لسانك.
هذا لحظة فارقة وانتصار حاسم للتوحيد في معركة الحياة.
يارب يقينا بك في كل الظروف
ونداء لك لا ينقطع في الشدة والرخاء.
(خذ العفو)
قال الواحدي في البسيط:
قال أهل اللغة: العفو: الفضل وما أتى بغير كلفة)
قال مجاهد: (أمر أن يأخذ عفو أخلاق الناس)، وهو قول الحسن وعروة بن الزبير وقتادة والمعنى: اقبل الميسور من أخلاق الناس.
تسعة أعشار أزماتنا من نقص العمل بأمر الله هذا.
الذي معناه خذ ما تيسر من أخلاق الناس
معناه تقبل ما سمحت به خواطرهم وأخلاقهم
معناه لا تكلفهم عكس طباعهم وجبلتهم
معناه لا تدقق لا تحقق لا تستقصي
معناه ان الله خلق الناس متفاوتين في طباعهم في طريقتهم في أسلوبهم
خلقهم مختلفين في اقدارهم في خبراتهم في تجاربهم في تعبيرهم
فلا تكلفهم على معيار واحد لا تحاكمهم إلى نموذج مثالي تريده
(خذ العفو)
يعني اي شيء ولو كان قليلا
ارض بجهدهم ولو كان يسيرا
تقبل زوجتك أولادك أقاربك جيرانك زملاءك
افتح صدرك لكل الوجوه لكل الطبائع لكل التعابير
للأذكياء لمحدودي الذكاء لغير القادرين على التعبير للفاشلين في التعبير
(خذ العفو)
معناه شطب هذه الأسئلة
لم لا تهتم بي زوجتي؟
لم لا يعتني بي أولادي ؟
لم تأخرت زيارة أختي؟
لم رفع ابن عمي صوته حين تكلم؟
لم لم يرد فلان على الرسالة؟
كيف عزموا فلان وتركوني؟
كيف اوقف جاري سيارته بهذه الطريقة
كيف استقبلونا آل فلان بهذا الأسلوب
ماهذا الطعام
ماهذا الغسيل
ألف سؤال وسؤال تحتاج للشطب والإلغاء
(خذ العفو)
ليس ليرتاح الناس فحسب
بل لترتاح أنت
لا تتوقع افتراضات مثالية.
احتفل بأي شي جميل ولو كان يسيرا ولو كان دون ما تراه مطلوبا ولو كان ناقصا
(خذ العفو)
يا لتعاسة الذين يقولون
إما زوجة كاملة أو لا
إما بر تام أو لا
إما جار على الكمال أو لا
إما قريب كالعسل أو لا
خذ اي شيء
هذا أمر الله
ووالله أن من أخذ بوصية الله لا يخيب.
الفاتحة..
كما إن الله تعالى جمع في الفاتحة الشفاء لكل أدواء القلوب
ففيها شفاء لكل أمراض الأبدان ولا بد.
وما دام أنها أم الكتاب وفيها اجتماع معانيه
فهو أم الشفاء وأصله.
ومن رزقه الله اليقين بما جعل الله فيها من الشفاء لم يقلق من أي مرض مهما صاح الأطباء بخطورته واستفحاله وعضاله.
وكان باليقين بها مثل من عنده مرض يسير ودواء،مجرب مطرد فهو لا يهتم عند نزوله به لأن الدواء قريب والبرء به لا يتخلف.
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"
قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كان القلم يجري بمقاديرك
باسمك أنت بلونك بعروقك وتقاسيم وجهك
بكلماتك وبسماتك ودموعك
بخطواتك بأدق تفاصيل حياتك
بخلقك ورزقك وعملك
أنت هناك في صحف القدر
قصتك عريقة
أعرق من مجرد الأعوام التي مرت
وتسميها عمرك
حين
أمر الله القلم في تلك الآماد السحيقة
أن يجري بالأقدار
وفيها سطور قدرك أنت أنت
باسمك وعينك
قبل أن يكون هناك سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر
فهب أن الكون المشاهد عمره ١٣ مليار سنة كما يقولون
فقدرك قبل وجوده
قصتك مدونة في اللوح قبل كل هذه المليارات من السنين.
تأمل كيف أن اسمك عند ربك في تدبيره وتصريفه ومشيئته وقدره قبل هذه الأحقاب الطويلة والدهر البعيد.
كائن له هذا المدى....
ما شأنه! ما قصته! ما أهمية حياته.!
ليتأمل كل واحد تاريخه الموغل في القدم
العظيم الشأن المعد قبل أن يكون شيء تراه حولك
قبل الجبل والبحر والشجر والنهر.
إدراك هذا كفيل بيقظة القلب.
الله أكبر!
كيف لو تبصر العبد في اللوح المحفوظ العتيق!
وتذكر أن اسمه ونبضات قلبه وحركة أجفانه مسطورة قبل مليارات السنين!
مكتوبة بأمر الله الملك العظيم.
أيها الأنسان العتيق لقد كرمك الله فلا تهن نفسك.
"نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ"
وقال سبحانه:
﴿لَقَدۡ كَانَ فِی قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةࣱ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِۗ مَا كَانَ حَدِیثࣰا یُفۡتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصۡدِیقَ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَتَفۡصِیلَ كُلِّ شَیۡءࣲ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ﴾
ومن الآيتين يتبين أن القصص منها الحسن والأحسن ومنها غير ذلك ومنها ما فيه عبرة ومنها ما ليس فيه.
فليست كل القصص حسنة ولا كلها فيه عبرة
والنفوس تستروح القصص ولو لتزجية الوقت
وهذا النوع كثير و يتسامح فيها في المجالس والمسامرات
لكن الملاحظ أن بعض من يكتب أو يؤلف أو يتحدث في منصة ثقافية يظن أنه لا بد من قصة يستفتح بها مقاله أو حديثه وقد يكون هذا من التأثر بالأسلوب الغربي المعاصر فإنه كثيرا ما يبدأون كتبهم أو مقالاتهم بقصة وغالبا ما تكون شخصية.
والمشكلة أنه حين تعوزه ذاكرته بقصة فيها عبرة أو تعلق بالموضوع وهو يتنزه عن الكذب واختراع قصة...
حينها يذكر حدثا عاديا وهو صادق فيه لكنه ليس قصة تستحق الرواية بل مجريات يومية تتكرر كثيرا
ويبدأ التزييف ربما من غير قصد في تضخيم الحدث العابر وتأثره به وتغييره في حياته والمفاجاة التي أدهشته
أخي الكريم
حين يمنحك الناس اهتمامهم وإنصاتهم فلا يلزمك حشر قصة باردة لن تطيق كل البهارات تسخينها.
ولن تسلم من إثم المبالغة والكذب في زعم تأثيرها في حياتك
الصدق وتحريه هو أمتن الجسور وأسرعها للقلوب.