(79 تسع وسبعون آية) تتحدَّث عن «استماع» الوحي كيف يجب أن يكون؟ جاء فيها السماع على أنواع ثلاثة:
أ- سماع صوت وهو للأذن.
ب- وسماع فهم وهو للذهن.
ج- وسماع استجابة وهو للقلب والجوارح، فالأولان وسيلة والأخير هو المنجي فقط، ولم أرها مجموعة إلا في الأنفال (١٩-٢٣).، فلا تحرم «قلبك» سماع القرآن.
يا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح، هيهات هيهات: (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).
(هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) يتعجب المرء لأول وهلة من هذا الوصف! فكأنه لا عدو سواهم! مع أنهم يصلون، ويصومون، ويحجون، وقد يتصدقون، ويزول التعجب إذا عرفت حقيقتهم، فقلوبهم انطوت على حقد وبغض لهذا الدين وأهله، وحب لأعدائه، يدرك ذلك بكرههم للجهاد ولمزهم للعلماء والمصلحين، مع إعجاب وإشادة برؤوس الضلال والمنافقين: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) .
(إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرقَاناً) من أعظم أنواع الفرقان الذي يؤتاه المتقي لربه: البصيرة زمن الفتن.
قال الحسن البصري: «إذا أقبلت الفتنة عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها الناس كلهم»(الحلية (٧/١٦٥))، وقد وصف أيوب السختياني الحسن البصري بقوله: «كان يبصر من الفتنة إذا أقبلت ما نبصر منها إذا أدبرت»(المجالسة وجواهر العلم (٦/٨٦) )، قال ابن تيمية : «إن الفتن إنما يعرف الناس ما فيها من الشر إذا أدبرت»(منهاج السنة (٤/٤٠٩) ).
لما كانت الصلاةُ والنحر أكثر العبادات التي يصرفها المشركون لأوثانهم، خُصَّتا بالذكر في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، وأبرز مقصودهما وغايتهما: (لِرَبِّكَ)، ولذا لم يقل: فصلِّ وانحر؛ ليستقر المعنى وهو: فصل لربك، وانحر لربك، وحده لا شريك له، مراغمًا المشركين الذين جعلوا صلاتهم ونحرهم لغير الله.
السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة؛ فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية؛ فثمرته حنظل، وإنما يكون الجداد يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها، (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ).
تدبر هذه الآية: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) حيث عطف (رِبَاطِ الْخَيْلِ) على (مِنْ قُوَّةٍ) والعطف يقتضي المغايرة، ونكّر(قُوَّةٍ)؛ ليدل على أنها شاملة لجميع أنواع القوة غير الخيل، وأعظمها: قوة الإيمان.