(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) في إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة بالحث عليه.
احضر قلبك.. فالقرآن أول ما نزل على القلب، فإن أنصت القلب وانفتح لخطاب الله؛ أنصتت تبعًا له بقية الجوارح، وإن أعرض، كانت كالرعية بلا راعي، ويوضح هذا لك أن الله عاتب المؤمنين بعدم خشوع قلوبهم عند سماع القرآن: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ).
(ولا جدال في الحج ) لو كان في الملاحاة خير لما كانت سببًا لنسيان ليلة القدر! ولأن الله تعالى صان الإحرام عن الجدال فقال: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
جعل الأمر بالتقوى وصيةً جامعةً للراجعين من الحج؛ أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم، ولا يجعلون تقواه خاصةً بمدة الحج، كما كانت تفعله الجاهلية.
لما قال تعالى: (الله لا إله إلا هو) قال بعدها:(له ما في السموات وما في الأرض) ومن مناسبة هذا: أنَّ القلوب متعلِّقة بمن يرزقها كما في قول إبراهيم: (إن الذين تعبدون من دون الله لايملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق)(العنكبوت:17)، فدلهم على العبوديَّة من الباب الذي يَرغبونه.
(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) جمع الله في هذه الآية بين ترك الأمر وارتكاب النهي؛ لأنَّ المراد بالنسيان هنا: الترك، فالنسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد، والمراد بالخطأ: أن يفعل الفعل لتأويل فاسد، فدعوا الله أن يعفوَ عنهم هذا وهذا.
(وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)، أمر الله نبيه -وهو أكمل الناس عقلًا- أن يشاور، إذ الحقيقة أن الإنسان -وإن بلغ عقله الغاية- لا يستغني عن الاستعانة في مشكلات الأمور بآراء الرجال؛ إذ العقول قد تكون نافذة في ناحية من الأمر، واقفة عند الظاهر في ناحية أخرى.
تفرق القلوب واختلافها من ضعف العقل، قال تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) وعلَّل ذلك بقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)، ولا دواء لذلك إلا بإنارة العقل بنور الوحي؛ فنور الوحي يحيي من كان ميتا، ويضيء الطريق للمتمسِّك به.
تأمل سياق هذه الآية: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) ثم جاء بعدها مباشرة: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) الآية، ففيها إشارة إلى أن الاختلاف والاضطراب في التعامل مع المستجدات من أهم أسبابه: الأخذ ممن لم يجعل الوحي مصدره في تقييم ما يستجد، والله أعلم.