قدم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ لأن العبادة قسم الرب، وحقه، والاستعانة مراد العبد، ومن الطبيعي أن يقدم العبد ما يستوجب رضا الرب ويستدعي إجابته قبل أن يطلب منه شيئًا، وهو هنا التذلل لله والخضوع بين يديه بالعبادة؛ فكان القيام بالعبادة مظنة استجابة طلب الاستعانة.
فالصراط المستقيم: إنما هو طريق أهل اليقين وكمال الإيمان، ودونه مفاوز من المجاهدة والمكابدة، فمن تحقق به فقد نال تاج النعم، وكمال الهدى، فأكرم به وأنعم؛ ولذلك وجب السعي إليه في كل صلاة؛ دعاء أبديًا يستغرق العمر كله.
كثيرًا ما ترد في سورة قضية مجملة، ثمَّ تفصل في التي تليها، فذكر في الفاتحة المغضوب عليهم والضالون، وجاء التفصيل في البقرة وآل عمران، وذكرت القرون المكذبة إجمالًا في الأنعام والفرقان ويس، وجاء التفصيل فيما يليهن الأعراف والشعراء والصافات.
إذا رأيت الرجل يتناقض في مواقفه وآرائه، فاعلم أنه لا ينطلق من قاعدة صلبة، أو رؤية واضحة، وإنما يعيش لحظته، وتتحكم به الظروف المحيطة؛ تأمل قوله سبحانه: (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ)، ثم تدبر ما بعدها من آيات تجد عجبًا!
رمضان مدرسة التقوى: تأمل كيف ذكرت التقوى في أول آية وأخر آية من آيات الصيام؛ ذلك أن الصيام من أعظم ما يعزز التقوى في النفوس، فلنفتش عن أثر الصيام على تقوانا لربنا في أسماعنا وأبصارنا وكلامنا؛ لنحقق الغاية: (لعلكم تتقون ).
من فضائل شهر الصيام أن الله تعالى مدحه من بين سائر الشهور، بأن اختاره لإنزال القرآن العظيم فيه، واختصه بذلك، ثم مدح هذا القرآن الذي أنزله الله فقال: (هدى ) لقلوب من آمن به (وبينات) لمن تدبرها على صحة ما جاء به، ومفرقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام.
(أجيب دعوة الداع إذا دعان ) الداعي لا بد وأن يجد من دعائه عوضًا: إما إسعافًا بطلبته التي لأجلها دعا؛ وذلك إذا وافق القضاء، فإذا لم يساعده القضاء، فإنه يعطى سكينة في نفسه، وانشراحًا في صدره، وصبرًا يسهل معه احتمال البلاء الحاضر، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة، وهو نوع من الاستجابة.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) قوله: (لِلذِّكْرِ) قيل في معناه أقوال، وأقربها للصواب: الادكار والاتعاظ، أي: أن من قرأه ليتذكر به ويتعظ به، سهل عليه ذلك واتعظ وانتفع، ومما يرجح هذا: قوله بعد ذلك: (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) يعني: هل أحد يدكر؟ مع أن الله سهل القرآن للذكر، أفلا يليق بنا وقد سهله الله للذكر أن نتعظ ونتذكر؟ بلى!