يا قائم رمضان: استجمع الفؤاد، وعش مع هذه الآيات في عظاتها! عش مع أهل الجنة في نعيمهم وسرورهم؛ حتى تتحرك النفس إلى الجنان، وعش مع أهل النار في جحيمهم وسعيرهم، فإن هذا يزكي الفؤاد حال تذكرهما، ويكسبه الرقة والخوف من رب العباد، فما تفكر عبد في آيات القرآن إلا تذكر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) فكن ذلك المدكر!
قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ولم يقل (يرفعكم)؛ ليدل ذلك على فضيلة الإيمان والعلم عمومًا، وأن بهما تحصل الرفعة في الدنيا والآخرة، ويدل على أن من ثمرات العلم والإيمان: سرعة الانقياد لأمر الله، وأن هذه الآداب ونحوها إنما تنفع صاحبها، ويحصل له بها الثواب إذا كانت صادرة عن العلم والإيمان.
تأمل كيف قدم ربنا إصلاح ذات البين على طاعته وطاعة رسوله في قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)! فكم هو مؤسف أن يمر العيد على أناس يقرؤون هذه الآية، وهم مصرون على القطيعة؟ أليس العيد فرصة لتحقيق هذا النداء الرباني؟ ونيل هذه الفضيلة التي صح الحديث بأنها خير من درجة الصائم المصلي المتصدق؟
ليست العبرة كم ختمت القرآن من مرة؟
وإنما الغنيمة والظفر بمقدار أي تغير إيجابي تجده في نفسك من أثر تلاوته وتدبره؟
قف مع نفسك بصدق، واعرضها على هذه الآية: (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) كم مرت بك هذه الآية من مرّة؟ وكم مرة توقفت قليلًا؛ لتعدد ما تستطيع من بركاتها؟ فماذا أنت قائل؟!
توكل عليه وحده، وعامله وحده، وآثر رضاه وحده، واجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفًا بها، مستلمًا لأركانها واقفًا بملتزمها، فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك! ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه، وخلع أفضاله: (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ).
ضرب الله مثل الذي لا ينتفع بما أوتي: بالحمار يحمل أسفارًا، ولعل من حِكمِ ذكر هذا المثل في سورة الجمعة ألا يكون حظُّ الخطيب والمأموم من خطبة الجمعة كحظهما قبلها!