ما أروع صورة البيت الذي يتبارى فيه الزوجان في المسارعة للخيرات.. زوجة تعين زوجها، وزوج يعين زوجته، يترسمون خطى ذلك البيت النبوي الذي جعله الله نبراسًا لكل زوجين؛ فأين المقتدون بزكريا وزوجته: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
(مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) إنها إحدى صور عظمة الحج؛ فلا تجد مشهدًا يجمع الناس من كل جنسية وبلد، كما يكون في الحج، إنه مشهد يطلعك على عظمة هذا الدين، وعمقه في الأرض بما لا يشهده دين آخر.
في هذه الآية تخويف بليغ، فإن العبد لا ينبغي أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان، بل لا يزال خائفًا أن يُبتلى ببلية تسلب إيمانه، ولا يزال داعيًا بالثبات، وأن يسعى في كل سبب يخلصه من الشر عند وقوع الفتن؛ فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت - فليس على يقين من السلامة.
(فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا)، وكما في الصحيحين: «إذا قام أحدكم يصلي فإن الله قبل وجهه»( أخرجه البخاري ح(٧٥٣) ومسلم ح ( ٣٠٠٨) ).
جبل في لحظة يندك .. وعين حتى اللحظة لم تبك!
إن خشوع صلاتك في استشعار معنى أن (الله) بينك وبين قبلتك.
المتأمل لآيات الحج يلحظ تكرر ورود التكبير، وذكر الله، والتركيز فيها على التقوى وعمل القلب؛ لأن أغلب مناسك الحج ارتبطت بمظاهر وجمادات محسوسة؛ فلئلا يتعلق القلب بشيء منها، أو يعتقد فيها ضرا أو نفعا، وينصرف عن المقصد الأعظم من الحج وهو تحقيق الإيمان والتقوى، تدبر: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ).
إذا تكبر العبد عن الحق صرف الله قلبه، وإذا صرف الله قلبه فمن يملك رده؟ (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) .
القرآن يعلمنا-وخاصة في رمضان- أن لا نغتر بصيامنا ولا بكثرة قيامنا؛ بل يزداد خوفنا بازدياد طاعتنا؛ لأننا نحيا بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ).
تدبر قول هارون لموسى (قَالَ ابْنَ أُمَّ) فلم يقل يا أخي أو يا موسى، بل ولا: يا ابن أبي؟ لأن المقام مقام استعطاف وطلب رحمه، فذكر الأم هنا أحرى بتذكيره برحمتها وعطفها..وقد تحقق له ما أراد، فإذا موسى القوي الشديد يقول فورًا: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فهل نحسن استخدام الألفاظ في مواضعها؟
الإسلام لم يهذِّب الحبَّ ويزكيه فحسب، بل جعله عبادة يتعبد بها المؤمن، ويستشعر لذَّتها، ويرجو بها رضوان ربه، فما أسوأ أن تزول هذه المعاني العظيمة، وتختزل هذه المحبة في وردةٍ حمراء سرعان ما تذبل، ويختصر زمن التعبير عنها في يوم واحد، تأمل في خلود حبِّ المتقين: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).