تعيش البيوت هذه الأيام أفراحًا واحتفالات بنجاح أبنائها، بعد عام من الجد والتحصيل، وتعظم الحفاوة بحسب منزلة الشهادة، ومن حق المجدين أن يشعروا بالتكريم، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان! وقفت متأملًا هذا المشهد، وتذكرت أفراح الآخرة، حين يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وقارنت بين ما يبذله الإنسان لدنياه وما يناله من جزاء عاجل، وبين ما يبذله لدينه وما يناله من عطاء بلا حدود، فجاء الجواب: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ).
(وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) هذه أول خطوة قامت بها امرأة العزيز في سبيل رغبتها، وهي خطوة ذات شقين: فعلي: (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ)، وقولي: (هَيْتَ لَكَ)، وتشير كلمة (غَلَّقَتِ) إلى إحكام الغلق، وإلى كثرة الأبواب؛ تهيئةً لفعل مرادها.
من أعظم أسباب العشق: إعراضُ القلب عن الله، والإنسان لا يترك محبوبًا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفًا من مكروه؛ والقلب إذا ذاق طعم عبادة الله، والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذ، ولا أمتع، ولا أطيب، فتدبر: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).
في قولها: (بِأَهْلِكَ) بدلًا من قولها: (بي) فائدة، وهي: إضافة نفسها إلى العزيز؛ لتثير عاطفته نحوها، ولتغريه بهذا الذي اعتدى على العزيز في أهله، وفي اختيار (الأهل) دون (الزوجة) ما يوحي بالاستقرار والراحة، كل هذا لتحفز زوجها على نصرته لها، وترويض خصمها، فهي تقيس هنا مجموعة مشاعر مختلفة، بين استغراب، وسؤال، ورهبة، وعشق، كل ذلك استطاعت استيعابه بخطاب شامل يدل على قدرة فائقة في ذلك.
التفاؤل الإيجابي الذي ترجى ثمرته: ذلك العمل الجاد الحكيم غير المستعجل، المبني على الثقة بالله مع فعل السبب دون الاعتماد عليه، تدبر هذه الوصية المحكمة التي ترسم منهجًا للمتفائلين: (وَلَا تَاْيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا ياَْيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
أعظم تغيير حصل في الحياة البشرية هو: ما أجراه الله على أيدي أنبيائه، وأعظم خطاب جرى به التغيير هو: القرآن المنزل على خير رسله، الذي من أبرز مفرداته وأكثرها ذكرًا فيه هو: التذكير بالله، وأسمائه وصفاته، والآخرة، والموت، والتزهيد في الدنيا، والتحذير من التعلق بها.
فهل خطابنا الإصلاحي الذي ننشد به التغيير اليوم يستمد روحه من هذا القرآن العظيم الذي وصفه ربنا بقوله: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)؟.
تدبر قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) إن الجملة الأخيرة تدل على أن الأمر الفرط، أو الوضع السائب، أو المجتمع المحلول، يجيء ثمرة غفلة القلب، واتباع الهوى، سواء أكان ذلك في أحوال النفس أم في أخلاق الجماعة!
لما كان قوله تعالى: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) مشتملًا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي: الحب والخوف والرجاء، عقبها بقوله: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) أي: إنما تنال من دعاه خوفًا وطمعًا، فهو المحسن، والرحمة قريب منه؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة.