إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء ،إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (إبراهيم) هكذا ختم الخليل وزكريا دعواتهما! إن استشعار العبد قرب ربه منه حال دعائه، من أعظم ما يعين على إظهار الافتقار بين يدي الغني، والذل بين يدي العزيز سبحانه، والتبرؤ من الحول والقوة، وتلك -والله- سمة العبودية، وما أحرى من هذه حاله بإجابة دعائه!
(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وهذا دليل على أنَّ التوسل بأفعال الله تعالى وربوبيته من أسباب إجابة الدعاء؛ فإنه قال بعد ذلك: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ)
إن الإيمان بالحياة الآخرة يشعر الإنسان بأن الموت معبر إليها، فيعيش الحياة بذوق آخر، يملؤه العمل والأمل، ويا لبئس عمر يعيشه الإنسان وهو يشعر بأن الموت هو آخر المطاف! انظر إلى هذه الإشارة الإلهية في وصف نفسية الملاحدة المنكرين للبعث (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا).
القوانين الوضعية مهما كبرت عقول واضعيها واتسعت مداركهم وامتدت أنظارهم، فهي تختلف فيما بينها، وأوضاع الناس وأعرافهم تتبدل دائمًا؛ فتختلف القوانين عن مسايرة أوضاع الناس؛ فتحتاج إلى تعديل: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا).
من مظاهر الإعجاز البلاغي في القرآن إيثار لفظٍ بَدَلَ آخرٍ، فتأمل -مثلًا-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فما السرُّ في التعبير عن الدين بالكمال، وعن النعمة بالتمام؟ السر -والله أعلم- أنَّ الكمال لا زيادة عليه، ومن هنا يعلم أنه لا زيادة في الدين؛ لأنه اكتمل، أما النعمة فعبر عنها بالتمام؛ لأنَّ التمام يقبل الزيادة ليصل إلى الكمال، ودليل ذلك أن النعم تختلف من زمن إلى آخر، فما يتنعم به بعض الفقراء اليوم لم يكن يحلم به هارون الرشيد في زمنه.
(لَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) دلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به.
جاء ذكر الاعتداء بعد (وَخُفْيَةً)؛ لأنَّ من الاعتداء رفع الصوت به دون حاجة لذلك، إذ هو تجاوز للحد، والبشر إذا خاطبتهم بصوت مرتفع تأذوا، فكيف بالسميع سبحانه؟ وقد أنكر النبي على من دعا رافعًا صوته، فقال: «اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا»( البخاري ح(٦٦١٠). ).
(وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ)، يا لَلعجب من بيانِ القرآن وبيِّناته وإعجازِه بفنون إيجازه! القرآن يأمرك بالتدبُّر واستعمال الحواس الظاهرة والباطنة في وظائفها الفطرية قبل أن يأمرك بـ(الاتباع)؛ حتى تطمئن إلى أنك إنما تتبع فيما فيه حق وخير ورحمة.
أرأيت إنسانًا يظلم نفسه؟ نعم.. ستراه حين ينتهك حرمة زمان نهاه ربُّه عن أن يظلم فيه نفسه. رجب هو الشهر الفرد من الأشهر الحرم التي قيل لنا فيها: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)، ورجب هذه السنة يوافق إجازة: فكم من حافظ لحرمته بطلب العلم وبرٍّ وعبادةٍ ونفعٍ للخلق، وكم من غافل هاتكٍ حرمته بعصيان حضرًا وسفرًا، ومن كان كذلك؛ فإنه لا يضر الله شيئًا، بل لا يضر ولا يظلم إلا نفسه(أرسلت في سنة وافق رجب بداية الإجازة الصيفية).
إن في سلوك هذه الأمة تلازمًا وثيقًا بين العقائد والعبادات، وبين سلوك الإنسان وأخلاقه، في البيت والعمل والسوق والمدرسة: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).