عبر بالانتقاص دون التعبير بالإعدام والإفناء؛ لأن للأجساد درجات من الاضمحلال تدخل تحت معنى النقص، فقد يفنى بعض أجزاء الجسد ويبقى بعضه، وقد يأتي الفناء على عامة أجزائه، وقد صح أن عجب الذنب لا يفنى، فكان فناء الأجساد نقصًا لا انعدامًا.
(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) هكذا كل إنسان يرد الحق أول مرة، فليعلم أنه سيبتلى بالشك والريب في قبول الحق في المستقبل؛ ولهذا يجب علينا من حين نسمع أن هذا الشيء حق أن نقول: سمعنا وأطعنا.
قد يقول قائل: إن كلمة فوقهم لا فائدة منها، لأن السماء معروفة أنها فوق، والحكمة في التنصيص عليها هنا؛ إشارة إلى عظمة هذه السماء، وأنها مع علوها وارتفاعها وسعتها وعظمتها تدل على كمال خلقه وقدرته عزوجل.
ولم يقل: إن شانئك أبتر، بل أبرز الضمير (هو) لإفادة الحصر، فكأنه لا مقطوع ولا مذموم سواه. وإذا كان شانئه - صلى الله عليه وسلم - داخلًا في الآية دخولًا أوليًّا، فإن شانئَ سنته والداعين إليها له من ذلك نصيب بقدر بُغضِه وكرهه.
شرط الله الإنابة في الفهم والتذكير؛ فقال تعالى: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) وقال: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ) وقال: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة، فليس من ذوي الألباب؛ ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.
(أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ)؟ هذه من براهين البعث؛ لأن من لم يعي بخلق الناس، ولم يعجز عن إيجادهم الأول لا شكَّ في قدرته على إعادتهم وخلقهم مرة أخرى؛ لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من البدء.
الحج كله توحيد!
ألا ترى أن الحاج يفتتح حجه بـ «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك» ويختمه بركعتي طواف الوداع التي يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص والتوحيد، وأفضل ما يقوله الواقفون بعرفة كلمة التوحيد، وهذا من أبلغ ما يكون في بيان علاقة الحج بالتوحيد.
وكثيرًا ما يقرن الناس بين الرياء والعُجب؛ فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعُجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، والمعجب لا يحقق قوله: (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).