قارن بين تأدب السلف بهدي القرآن وبين فعل بعض الناس مع علمائهم:
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: ما استأذنت قط على مُحدِّث! كنت أنتظر حتى يخرج إليّ، وتأولت قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ).
عندما يذكر الله فضل قوم أو كرامةً لأحد أوليائه يبين أن من أراد أن يسلك طريق هؤلاء، فله مثلهم، فحين ذكر فضل الأنصار قال: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وبعد أن بين سبب نجاة يونس قال: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) ، وفي سياق ذكر سبب شفاء أيوب قال: (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ). فما أكرمه من إله!
لا تروِ للناس كل ما تسمعه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الواجب على من شرح الله صدره للإسلام أنْ إذا بلغته مقالةٌ ضعيفةٌ عن بعض العلماء أن لا يحكيَها لمن يعمل بها، بل يسكت عنها وإن تيقَّن صحتها، فما أكثر ما يحكى عن الأئمة من ما لا حقيقة له.
في قوله تعالى: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) إشارة إلى أنه يحسن بالداعي إذا أراد أن يدعو لنفسه ولغيره أن يبدأ بنفسه، ثم يُثَنِّي بغيره، ولهذا الدعاء نظائر كثيرة في الكتاب والسنة.
(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) أي: لأجل أن يتفكروا. ويستفاد من هذه الآية فائدة أصولية وهي: أن كل مثل في القرآن، فهو إثبات للقياس؛ لأن المقصود بالمثل: انتقال الذهن من هذا إلى هذا.
قال أبو سعيد الخدري: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنكرنا أنفسنا، وكيف لا نُنكر أنفسنا، والله تعالى يقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ).
قاس من حَمَّله -سبحانه- كتابه ليؤمن به ويتدبره، ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك -ولم يحمِلْه إلا على ظهر قلب-، فقراءته بغير تدبر ولا تفهُّم ولا اتباع ولا تحكيم له وعمل بموجبه، كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) قال محمد بن مناذر: كنت أمشي مع الخليل بن أحمد، فانقطع نعلي، فمشيت حافيًا، فخلع نعليه وحملها يمشي معي، فقلت له: ماذا تصنع؟ فقال: أواسيك في الحفاء.
الشريعة جامعة بين القيام بحق الله تعالى كالصلاة والذكر، وبين القيام بمصالح النفس كالسعي في الرزق، وذلك ظاهر من قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ).
(قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) أطلق العنان لخيالك، واستعرض ما شئت من أنواع اللهو والتجارة التي ملأت دنيا الناس اليوم.. كلها -والله- لا تساوي شيئًا أمام هبة إلهية، أو منحة ربانية تملأ قلب العبد سكينة وطمأنينة بطاعة الله، أو قناعة ورضا بمقدور الله، هذا في الدنيا، وأما ما عند الله في الآخرة فأعظم من أن تحيط به عبارة.