قال تعالى في سورة البقرة: (اجعل هذا بلدا آمنا) وقال في إبراهيم: (هذا البلد آمنا) فجاءت آية البقرة بدون تعريف، وآية إبراهيم معرفة، والسر في ذلك: أن آية (البقرة) دعا به الخليل n قبل أن يكون بلدا، بل قاله عند ترك هاجر وإسماعيل به وهو واد، فدعا بأن يصير بلدا، أما آية (إبراهيم) فإنه دعا به بعد عودته، وسكنى جرهم به، وبعد أن صار بلدا، فدعا بأمنه.
الطريق إلى الله خال من أهل الشك، ومن الذين يتبعون الشهوات، وهو معمور بأهل اليقين والصبر، وهم على الطريق كالأعلام: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ).
كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات. عن وهيب بن الورد أنه قرأ:(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) ثم بكى، وقال: يا خليل الرحمن! ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشفق أن لا يُتقبَّل منك؟ ( أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ح(1240).)
قال تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ)، ثم قال في آخر الآية:(إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)؛ فما وجه المناسبة؟ قال الشيخ ابن عثيمين: "مناسبة العزَّة والحكمة لبعث الرسول ظاهرة جدًّا؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) للمؤمنين عربًا وعجمًـا، فمن كان مؤمنًا فله العزَّة؛ ومن لم يكن كذلك فاته من العزة بقدر ما أخلَّ به من الإيمان.".
(قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق )(واتبعت ملة آبائي )، (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) قوة التأثر والالتزام بما عليه الآباء والأجداد حقيقة غالبة وأمر لا ينكر، فالهداية تتوارث فطرة، والضلال يورثه التعصب؛ لذا لابد أن يعي الآباء ذلك، فكيفما تحب أن يكون أبناؤك وأحفادك فكن (وكان أبوهما صالحا)(الكهف:82).
التقدُّم حقيقةً بالإسلام، والرجعية حقيقةً بمخالفة الإسلام؛ لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، فإنَّ هذا حقيقة الرجوع على غير هدى؛ لأنَّ الذي ينقلب على عقبيه لا يبصر ما وراءه؛ فمن قال للمتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله رجعيون، قلنا له: بل أنت الرجعي حقيقة.
(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) في مقالاتهم.. في بحوثهم.. في خطبهم ومحاضراتهم.. في نتائج مراكز أبحاثهم.. تتبعها فقط؛ فستجد الكثير من خططهم ومكرهم.
ليس المزارع الحاذق من ينثر الحب في الفلاة؛ ليسقيه المطر أو تذروه الرياح! وإنما هو من يحسن اختيار الحب والتربة والماء، و يتعاهده حتى يؤتي أكله بإذن ربه: (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ).
لن نتقدَّم مرَّة أُخرى إلا إذا استعدنا ثقتَنا بأنفسنا، ولن نصل إلى هذا الهدف بتدمير نظمنا الاجتماعية، وتقليد حضارة أجنبية عن ديننا وليس عن محيطنا التاريخي والجغرافي فحسب، وقد بيَّن الله لنا الطريق في كتابه المبين: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ).
يقول أحدُهم: لقيت بمنًى شابًّا غير عربيٍّ، يحمل شيخًا كبيرًا فوق ظهره، فأردت أن أشكره لبرِّه، فقلت:جزيت خيرًا لبرِّك بأبيك، فقال: لكنه ليس أبي، ولا من بلدي، قلت: فمن إذن؟ قال: وجدتُه بعرفة ليس معه أحدٌ، فحملته على ظهري إلى مزدلفة، ومنها إلى منى، قلت: لم فعلت ذلك؟! فقال: سبحان الله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).