(حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) الحسد قد يهجم على الإنسان، ولا يكون في وسعه دفعه؛ وإنما يؤاخذ الإنسان على رضاه به وإظهار القدح في المحسود، والقصد إلى إزالة النعمة عنه.
"هل أبصرت هذه الآية؟ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) تأمل كيف أسند الله النهي إلى الصلاة نفسها!
إن الصلاة تعني أن ترحل عن خطاياك إلى الله؛ لتخرج من دركات العادة إلى درجات العبادة، وليتغير طعم المنكر في قلبك فلا تجد له لذة، فأبصر ثم أبصر فإن الصلاة تصنعك.
شريعتنا مبرهنة، ففي كلِّ جزئية من جزئياتها تتبعها الحجة، ودليل من كتاب أو سنة، لا نقول: اعتقد وأنت أعمى، لما قال اليهود والنصارى كما حكى الله عنهم في سورة البقرة: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، قال الله: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) علَّق سبحانه الهداية بالجهاد؛ فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا، وأفرض الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد، فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد.
قلَّما تجبَّر متجبر في الأرض إلا أهانه الله قبل موته، فسخر به الصغير والكبير، وأضحى حديث مجالس، قال ابن كثير: "لما استكبروا، لقاهم الله المذلة في الدنيا قبل الآخرة".
وإنما قال إبراهيم: (من ذريتي) ولم يقل: (وذريتي)؛ لأنه يعلم أن حكمة الله لم تجر بأن يكون جميع نسل الإنسان ممن يصلحون لأن يُقتدى بهم، فلم يسأل ما هو مستحيل عادة؛ لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء.
(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) مَن أصبح وهو يأمل أن يمسي، أو أمسى وهو يأمل أن يصبح، لم يخلُ من الفتور والتسويف، ولا يقدر إلا على سيرٍ ضعيف!
من أسرار الترتيب في القرآن الترقي من الأخص إلى ما هو أعم منه، إلى ما هو أعم:(أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) فذكر أخص هذه الثلاثة وهو الطواف الذي لا يجوز إلا بالبيت، ثم ذكر الاعتكاف -وهو أعم من الطواف-؛ لأنه لا يكون إلا في المساجد فقط، ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما استثني شرعا.