قال بعض السلف: «أصبِحُوا تائبين، وأمسُوا تائبين». علّق ابن رجب قائلًا: يشير إلى أن المؤمن لا ينبغي أن يصبح ويمسي إلا على توبة؛ فإنه لا يدري متى يفجأه الموت، فمن أصبح أو أمسى على غير توبة، فهو على خطر؛ لأنه يخشى أن يلقى الله غير تائب؛ فيحشر في زمرة الظالمين، قال الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) تأمل كيف نَفَّر القرآن من الغيبة على أبلغ وجه، إذ جعل المحبة متجهة إلى ما لا يميل إليه الطبع -وهو أكل لحم الميت-، وزاد الصورة شناعة أن جعل الميت إنسانًا، وأخًا لمن يأكله! ولا يقارف ذلك إلا حيوان متوحش، لا يخضع لتشريع، ولا عهد له بتهذيب.
إذا جاء الموت، وطويت صحائف الأعمال، ووجدت عِظَم ثواب الحسنات وعِظَم عقاب السيئات، تمنيت أن تُسَبِّح تسبيحة واحدة أو تصلي ركعة فلا تستطيع (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ).
ابذل من نفسك، واتعب في تحصيل القرآن، أما أن تتمنى وتسترخي وتخطط ولا تنفذ، فلا يمكن أن تحفظ بهذه الطريقة، أما قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) فالتيسير هذا لا ينافي المشقة عند بعض الناس، والله إذا علم صدق النية من الشخص، أعانه عليه ويسره له.
كل قول -ولو كان طيبًا- لا يصدِّقه عمل، لا يرفعُ إلى الله، ولا يحظى بقبوله، ودليل ذلك: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وهذا يبين لك سرًّا من أسرار قبول الخلق لبعض الواعظين، وإعراضهم عن آخرين.
"هو حديث يتكرر عن مضي عام وقدوم آخر، لكن انظر إلى بعض طرق القرآن وهو يربي أهله -حين يتحدث عن الزمن-! (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)؟!
يا له من سؤال! ويالحسرة المفرطين!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) مَن أحبَّ أو أبغض قبلَ أن يأمره الله ورسوله؛ ففيه نوعٌ من التقدم بين يدي الله ورسوله!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) فإذا كان رفعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف بتقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعِها عليه؟!
أليس هذا أولى أن يكون محبطًا لأعمالهم؟!
لما أمر الله عباده بأدبين من آداب المجالسة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) أعقبهما بقوله:(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) فدل على أن أهل العلم أولى من أخذ بهذين الأدبين، وأنهم أولى من تؤدب معهم بهما، وأن مجالسهم أولى المجالس بالقيام بهما.