تدبَّر: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)، وقِف متأملًا لقوله: (لَهُمْ)؛ لتدرك أن كلَّ عمل من أعمال الحج يعود عليك بنفع عظيم، خلافًا لما يتصوره الكثيرون من أن الحجَّ مجرد أعمال تعبديَّة لا يدركون أثرها، وهذا يفسر التسابق للبحث عن الترخص والتخلص من كثير من واجباته وأركانه، ولو أدركوا نفعه المباشر لهم، لما فعلوا.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُُ) يدخل في ذلك دعوات ساقطة لإخراج المرأة من خدرها، وقد ينطلي على بعض ممن في قلبه إيمان؛ فيرى مع كثرة الدعوات الآثمة أن لا بأس بمزاولة المرأة أعمالًا يراها الرائي لأول وهلة لا ضير فيها، وهي عند العارفين ذرائع للفاحشة، وإشاعة لها.
ورد في آيات الحج من العناية بأمر القلوب ما لم يرد في أي ركن من أركان الإسلام؛ لما في أعمال الحج من مظاهر قد تصرف عن مقاصده العظيمة إلى ضدها، تأمل: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ)، فتعاهد قلبك حين أداء نسكك.
(وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) أيهما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالًا بقدم امرأة لا يدري ما هي؟ وما جمالها؟ ولا يدرى أشوهاء هي أم حسناء؟! أو أن ينظر إلى وجه سافر جميل، ممتلئ شبابا ونضارة، وحسنا وجمالا وتجميلا بما يجلب الفتنة، ويدعو إلى النظر إليها؟
من تدبر القرآن علم أن الصالحين لا يخافون من شيء أعظم من خوفهم من أمرين:
- الخوف من أعمالهم الصالحة أن لا تقبل: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ).
- الخوف من زيغ القلب بعد هدايته: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا).
في هذه الآية وعيد رباني لا يتخلف للذين يتبنون مشاريع الفساد والإفساد في الأرض بالعذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، سواء كان حسيًا أو نفسيًا؛ علمنا به أم لم نعلم؛ ولذلك ختمها بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وفي ذلك شفاء لصدور المؤمنين، وإذهاب لغيظ قلوبهم.
تدبر هذه الآية مليا: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) فالقدم هنا مغطاة، ونهى عن أي حركة تظهر ما تحت ستر القدم، وهو الخلخال؛ أفيكون كشف أجمل ما في المرأة -وهو وجهها- مباحًا؟!
في قوله تعالى: (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) شبه - الله تعالى- الزجاجة بالكوكب، ولم يشبهها بالشمس والقمر؛ لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف، والكواكب لا يلحقها الخسوف.
قال تعالى -في وصف عباده المؤمنين-: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) كان التعليق بـ(إذا)؛ لأن مخاطبة الجاهلين لهم بالسوء أمر محقق، ومتى سلم أهل العلم والدين من الجاهلين؟!