(فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) الذين ينتفعون بالمواعظ هم المتقون، وأما غير المتقي فإنه لا ينتفع لا بالمواعظ الكونية -التي يفسرها بأنها ظواهر طبيعية- ولا بالشرعية، وربما انتفع بالمواعظ الكونية اضطرارًا.
فذكر (يكسبون) بلفظ المستقبل، و (كتبت) بلفظ الماضي؟ تنبيهًا على ما دل عليه حديث: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»، وعبر بالكتابة دون القول؛ لأنها متضمنة له وزيادة، فهي كذب باللسان واليد، وكلام اليد يبقى رسمه، أما القول فقد يضمحل أثره.
(وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا)، (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) ، (فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) ، عند التمعن في هذه الآيات: يتضح أن تحقيق الأمور العظيمة يحتاج إلى حكمة وتلطف ورفق وأناة مهما كانت قوة ومنزلة صاحبها.
تبدأ الأشهر الحرم بدخول شهر ذي القعدة، وأعظم تدبر عملي مع هذا الزمن الفاضل: أن يُرى العبد مُعَظِّمًا لها بفعل الخيرات وترك المحرمات؛ فإنَّ الله يقول: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).
(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) لم يقل لا تطع من أسكتنا لسانه، بل قال: (مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ)، وما أكثر ذكرنا باللسان مع غفلة الجنان، وهذا لا شك أنه ينقص الثواب، وينقص الآثار المترتبة على الذكر مثل: صلاح القلب، والاتجاه إلى الله، والإنابة إليه، وغير ذلك.
الأمل في المال والبنين أمر مشكوك في حصوله، مع قصر مدته، وأما الأمل في الصالحات، فهو وعد حق صادق من الله، ويحصل منه نفع الدنيا والآخرة.. فلنقبل على العبادة في العشر؛ لننجو من هذه الفتن «العبادة في الهرج كهجرة إليّ»( مسلم ح (٢٩٤٨)،الترمذي ح(٢٢٠١)، ابن ماجه ح (٣٩٨٥)).
في قول موسى للخضر: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) التأدب مع المعلم، وخطابه بألطف خطاب، وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذي لا يظهر للمعلم افتقاره إلى علمه، بل يدعي أنه يتعاون هو وإياه، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جدًا، فالذل للمعلم، وإظهار الحاجة إلى تعليمه، من أنفع شيء للمتعلم.