(يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ) دخل سفيان الثوري المدينة يومًا، فوجد شيخًا اسمه «المعافري» يحدث الناس بما يضحكهم به، فقال له يا شيخ: اتق الله! أما تعلم أن لله يومًا يخسر فيه المبطلون؟!
قال الراوي: فما زالت تُعرف في وجه المعافري حتى لقي ربه.
فهل يعي هذا المعنى المبطلون، ومن ضيعوا أوقاتهم مع المبطلين؟
قال مالك بن مِغوَل: شكى أبو مَعشَر أحدَ أبنائه إلى طلحة بن مُصرِّف، فقال: استعن عليه بهذه الآية: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي).
أتي عبد الرحمن بن عوف بطعام -وكان صائمًـا-، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير منِّي، كُفِّن في بُردةٍ، إن غُطِّي رأسُه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير منِّي، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بُسط، وقد خشينا أن تكون حسناتُنا عُجِّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
وابن عوف من العشرة المبشرين بالجنة، لكن المؤمن يهضم نفسه.
(فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا) من حكمة الله تعالى أن الريح لم تأتهم هكذا، وإنما جاءتهم وهم يؤملون الغيث والرحمة؛ فكان وقعها أشد، ومجيء العذاب في حال يتأمل فيها الإنسان كشف الضر يكون أعظم وأعظم.
ما أعظم ما تسكبُه هذه الآية في قلب المتدبر لها من طمأنينة ويقين بحكمة الله وعلمه، وأنه سبحانه لا يَعجل لعجلة عباده، وأن من وراء ما يحصل حِكَمًا بالغةً، تتقاصر دونها عقول البشر وأفهامهم.
أمر الله بالسير، والسير ينقسم إلى قسمين: سير بالقدم، وسير بالقلب. أما السير بالقدم: فبأن يسير الإنسان في الأرض على أقدامه، أو راحلته لينظر ماذا حصل للكافرين وما صارت إليه حالهم. وأما السير بالقلب: فبالتأمل والتفكر فيما نقل من أخبارهم.