(وَلَا تَاْيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) إن سُم التشاؤم الذي يحاول المنافقون دسه على المؤمنين، له ترياق ودواء جدير بأن يذهبه، ألا وهو بث اليقين بمعية الله، والتوكل عليه، ولنثق بأن الذي يخرج اللبن من بين الفرث والدم، قادر على إخراج النصر من رحم البأساء والضراء.
من طرق التدبر: الاستدلال المركب من آيتين فأكثر، كهذا النموذج:
في قوله تعالى: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) مع قوله: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) (لقمان:١٥)، مع العلم بأحوال الصحابة، وشدة إنابتهم، دليل على أن قولهم حجة، خصوصًا الخلفاء الراشدين.
فيها أكبر برهان على أن من آمن بالله ورسوله إيمانًا تامًا، وعلم مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - قطعًا، تيقن ثبوت جميع ما أخبر به، وعلم أن ما عارض ذلك فهو باطل، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال.
أوصى ابن قدامة أحد إخوانه قائلًا: واعلم أن من هو في البحر -على اللوح- ليس بأحوج إلى الله وإلى لطفه ممن هو في بيته بين أهله وماله؛ فإذا حققت هذا في قلبك، فاعتمد على الله اعتماد الغريق الذي لا يعلم له سبب نجاة غير الله.
قال قتادة: من يُؤثِر دنياه على آخرته، لم يجعل الله له نصيبًا في الآخرة إلا النار، ولم يزدد بذلك من الدنيا شيئًا، إلا رزقًا قد فُرغ منه وقُسِم له: (مَن كَانَ یُرِیدُ حَرۡثَ ٱلۡـَٔاخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِی حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ یُرِیدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡیَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِیبٍ).
لما كانت التوبة عملًا من الأعمال العظيمة التي قد تكون كاملة، وقد تكون ناقصة، وقد تكون فاسدة إذا كان الغرض منها دنيويًا، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله؛ ختم هذه الآية بقوله: (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ).
حدثني الشيخ عبدالعزيز السلمان عن نفسه أنه قال: قرأت قول الله تعالى: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) فتأملتها، فعزمت أن أقرأ القرآن قراءة أدرك بها بعض هداية القرآن للتي هي أقوم، فبدأته من أوله، وكنت أكتب ما فتح الله عليّ به من هداية الآيات؛ فكانت النتيجة كتابًا في مجلدين: «الأنوار الساطعات لآيات جامعات».
(وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: يستجيب دعاء المؤمنين لأنفسهم، (وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ) فيستجيب دعاءهم لإخوانهم، وهذا من بركة الصالحين، ومن سعة فضل الله ورحمته وكرمه، إذ يغري المؤمنين بالدعاء لأنفسهم ولإخوانهم؛ ليتفضل عليهم، قال سفيان: يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب.
أربعة يدخلون الإسلام بسبب معاملة كفيلهم الحسنة (خبر صحفي).
من تأمل القرآن المكي وجده مليئًا بالتأكيد على حسن الخلق، وأثره في كسب أتباع جدد للإسلام، وفي سورة الإسراء -وهي مكية-: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وسيرته - صلى الله عليه وسلم - كانت ترجمة عملية لهذه الآية، فما أحوجنا وأحوج من نعاملهم -من كبير وصغير وخادم- إلى هذا الهدي القرآني.