لو تدبرت التقابل البديع في هذه الآية لوقفت خاشعًا لله!
انظر كيف عبر في جانب الحسنة بالمجيء! في حين عبر في جانب السيئة بالإصابة! لأنها تحصل فجأة من غير رغبة ولا ترقب.
وفي التعبير عن السيئة بـ(تُصِبْهُمْ) دقة؛ فالإصابة وحدها توحي بالسوء، فكيف إذا عَدَّى الإصابة بالسيئة فهو ألم فوق ألم!
تأمَّل أول القصص في وصف بشاعة ما كان يعمله فرعون وملأه، ثم جاءت ولادة موسى وتربيته وبعثته، وبعد أكثر من أربعين سنة من العمل الدؤوب يأتي النصر العظيم: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)، فأين التخطيط والعمل الجاد لتحقيق النصر ولو بعد حين؟
(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) فلا يدرى انقضى أجل الميقات عند الثلاثين وكانت العشر تمامًا، أي: زيادة بعد انقضاء أجل الميقات، أو إنما كان انقضاءه عند تمام الأربعين، وأن الإتمام بعشرة هو زيادة في الأجل؟ فلما قال: ( فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) علمنا أن العشر دخلت في الأجل، فصارت جزءًا منه.
إن موسى سأل أجلَّ الأشياء فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)، وسأل أقل الأشياء فقال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) ؛ فنحن أيضا نسأل الله أجل الأشياء وهي خيرات الآخرة، وأقلها وهي خيرات الدنيا فنقول: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) .
(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) الغضب لله من ثمرات إجلال الله ومهابته، والغضب على المسيء بحضرته متضمن للإجلال، وزجر للمسيء عن انتهاك الحرمات، ولا خير في عبد لا يغضب لمولاه.
رب قائم مشكور له ، ونائم مغفور له ، وذلك أنَّ الرجلين يتحابان في الله ، فقام أحدهما يصلي ، فرضي الله صلاته ودعاءه ، فلم يرد من دعائه شيئًا، فذكر أخاه في دعائه من الليل، فقال : رب ! أخي فلان اغفر له ؛ فغفر الله له وهو نائم.
(وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ) عدل سبحانه عن قوله (سكن) إلى قوله (سَكَتَ)؛ تنزيلًا للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي الذي يقول لصاحبه: افعل لا تفعل، فهو مستجيب لداعي الغضب الناطق فيه المتكلم على لسانه.