(إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ) فالمتكبر يريد أن يصل بتكبره ورده للحق إلى منزلة لم يصل إليها بعمله ومواهبه؛ حسدًا وبغيًا، وهذا وعد من الله بأنه لن يحقق ذلك، بل إنه بمقدار تكبره سينزل عن مرتبته التي هو فيها قبل تكبره، بخلاف ما كان يؤمله ويرتجيه من علو! جزاءً وفاقًا.
الإنسان إذا قاس نفسه بعالم الذرة فأخذته العزة لكبره، فليقسها بعالم الكواكب بالسماء؛ ليستشعر الهوان من صغره وضآلته، ولكن من طبيعة البشر الغرور: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
سئل ابن مسعود عن الصراط المستقيم، فقال: تركنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادُّ -جمع جادة-، وعن شماله جوادُّ، وثمَّ رجال يدعون مَنْ مرَّ بهم، فمن أخذَ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ).
الإخلاص يذكر في كتاب الله كثيرًا: تارة يأمر الله تعالى به: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وتارة يخبر أنَّ الجنة لأهله: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ - أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) (الصافات:٤٠-٤١)،
وتارة يخبر أنه لن ينجو من شَرَك إبليس -يعني: مصيدته- إلا من كان مخلصًا لله، (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (الحجر:٣٩-٤٠).
(جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم) في إضافة الرسل إليهم ما يفيد أنهم يعرفونهم ويعرفون صدقهم، ثم إن كلمة (جَاءتْهُمْ) تفيد أن هؤلاء الرسل لم يقولوا شيئًا من عند أنفسهم، وإنما جاؤوا بما جاؤوا به كما يجيء حامل الرسالة والأمانة.
(إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) ومن لطائف القرآن في هذه الآية: الاقتصار في وصف: (سريع العقاب) على مؤكد واحد، وتعزيز وصف: (الغفور الرحيم) بمؤكدات ثلاثة وهي: إن، ولام الابتداء، والتوكيد اللفظي؛ لأن (الرحيم) يؤكد معنى (الغفور)؛ ليطمئن أهل العمل الصالح إلى مغفرة الله ورحمته، وليستدعي أهل الإعراض والصدوف إلى الإقلاع عما هم فيه.