كما رفعنا درجات إبراهيم في الدنيا والآخرة، فإن العلم يرفع الله به صاحبه فوق العباد درجات، خصوصًا العالم العامل المعلم، فإنه يجعله الله إمامًا للناس بحسب حاله، تُرمق أفعاله، وتقتفى آثاره، ويستضاء بنوره.
ذكر الله (١٨ نبيًّا) في سورة الأنعام، ثم قال: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، الإخلاصُ حقُّ الله المحض الذي لا حظَّ للنفس فيه، فهو مقام «تجريد التوحيد»!
لما فسر الإمام أحمد قوله تعالى: (فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) قال: هم أهل المدينة.
علق ابن القيم على هذا فقال: أهل المدينة أول من وكل بها، ولمن بعدهم من الوكالة بحسب قيامه بها علمًا وعملًا ودعوةً إلى الله تعالى.
تعهد الشيطان أمام الله سبحانه: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) فتدبر كيف وصلت الحال: فمع أن الشيطان يعترف بالله ربًا، بل ويدعوه: (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي)
ثم يأتي (من بني آدم) من تعداه في الإجرام والغواية (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعات: ٢٤)! بل وينفي الألوهية مطلقًا: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: ٣٨)!
فأي أمان بعد ذلك إلا لمن اصطفاه الله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) (الحجر: ٤٢).
فاللهم سلم سلم.
انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة، فالناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ).
(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) هذا الكتاب مبارك، أي: كثير البركات والخيرات، فمن تعلمه وعمل به، غمرته الخيرات في الدنيا والآخرة، وكان بعض علماء التفسير يقول: اشتغلنا بالقرآن فغمرتنا البركات والخيرات في الدنيا تصديقا لقوله (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) ونرجو أن يكون لنا مثل ذلك في الدنيا. وهذا الكتاب المبارك لا ييسر الله للعمل به إلا الناس الطيبين المباركين، فهو كثير البركات والخيرات؛ لأنه كلام رب العالمين، من قرأه وتدبر معانيه، عرف منه العقائد الحقة، وأصول الحلال والحرام، ومكارم الأخلاق، وأسباب النعيم الأبدي، والعذاب الأبدي، ومن عمل به غمرته الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة، وأصلح الله له الدارين.
قال عمر بن عبدالعزيز: ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً فانتزعها منه، فعاضه من ذلك الصبر إلا كان ما عاضه الله أفضل مما انتزع منه، ثم قرأ: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ).