س/ في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ ثم جاءت الآيات بقوله تعالى على لسان موسى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) فأين الرجلان؟ لِم لَم يذكرهما عليه السلام؟
ج/ المفسرون ذكروا اسم هذين الرجلين وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، ولكن قول موسى لا يتعارض مع ذلك، فهو يقصد أنه لا يملك السيطرة إلا على نفسه وأخيه هارون فقط، وأما بقية قومه فلا كلمة له عليهم. وهو يعتذر بذلك لربه عن انحراف قومه وعصيانهم، ولا يعني ذلك ذماً لهذين الرجلين وأمثالهما.
س/ ما معنى قوله تعالى: (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ)؟
ج/ خمط قيل شجر الأراك وقيل كل شجر ذو شوك. والأثل شجر طويل مستقيم يعمر، أغصانه كثيرة التعقد وورقه دقيق وثمره حب أحمر لا يؤكل.
س/ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ هل المقصود الهجرة من مكة أم الخروج لبدر، وهل (كما) هنا للتشبيه ومن المشبه؟
ج/ المقصود بالخروج هنا هو: الخروج إلى بدر، وأما الكاف في قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ} فقد اختُلِفَ فيها على أقوال:
• فقال بعض نُحاة البصرة ولعله الأخفش بأن الكاف هنا بمعنى (على)، وزعم أن من كلام العرب إذا قيل لأحدهم: "كيف أصبحت"، أن يقول: "كخير"، بمعنى: على خير.
• وقال آخرون من البصريين منهم أبو عبيدة معمر بن المثنى أن الكاف بمعنى القسم. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربّك.
• وقال نحاة الكوفة كالفرّاء بأن الكاف هنا للتشبيه، واختاره ابن جرير، وهو قول مجاهد، والمشبه والمشبه به على هذا القول: أي: كما أخرجك ربك بالحقّ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك يجادلونك في الحق بعد ما تبين؛ قال ابن جرير: "لأن كلا الأمرين قد كان، أعني خروج بعض من خرج من المدينة كارهًا، وجدالهم في لقاء العدو وعند دنوِّ القوم بعضهم من بعض، فتشبيه بعض ذلك ببعض، مع قرب أحدهما من الآخر، أولى من تشبيهه بما بَعُد عنه".
س/ أليست تشبيه الجدال في الأنفال بما جرى في الجدال في الخروج لبدر؟
ج/ نعم؛ هذا مما قيل في معنى التشبيه، غير أن قول مجاهد الذي ذُكر في الجواب السابق هو ما رجحه ابن جرير، فاكتفينا بذكره.
س/ هل يصح هذا الاستشهاد بهذه الآية على أنه ينبغي للمرء أن يحسن الظن بأخيه المسلم، وأن الأصل سلامة عرضه من كل ما يدنسه: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾؟
ج/ {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ}؛ "لولا" حرف تحضيض بمعنى هلا. والمراد "بأنفسهم" يحتمل ظاهره بمعنى أنهم يظنون بأنفسهم خيرا ويقيسون عليه من هو خير منهم. كما جاء من طرق تتقوى عن أبي أيوب الأنصارى، قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقوله الناس فى عائشة -رضى الله عنها -؟ قال: نعم، وذلك الكذب.
أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا. والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك.
والوجه الآخر ان يكون معنى أنفسهم إخوانهم فى الدين كما في مواضع (لا تلمزوا أنفسكم)، (تقتلون أنفسكم) ونحوها.
وعبر عن إخوانهم وأخواتهم فى الدين بأنفسهم، لأن أخا المسلم كنفسه. أى: هلا وقت أن سمعتم -أيها المؤمنون والمؤمنات- حديث الإفك هذا ظننتم بإخوانكم وبأخواتكم ظنا حسنا جميلا، وقلتم: هذا الحديث الذى أذاعه المنافقون كذب شنيع وبهتان واضح.
وعلى الوجهين فحسن الظن بالمسلمين واجب و هو الأصل ولا سيما من كان ظاهره الصلاح أو السلامة. قال اللَّهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات؛ آية:١٢]
وروى الشيخان من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه عن النَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنَّه قال: (إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحديثِ، ولا تجَسَّسوا، ولا تحَسَّسوا، ولا تَباغَضوا، وكونوا إخوانًا).
س/ ما معنى قوله تعالى: (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ)؟
ج/ قوله: (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ)؛ (الأكل): هو الثمر، ومنه قوله -تعالى-: (فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) أي: ثمرها. و(الخمط): هو ثمر الأراك أو هو النبت المر الذي لا يمكن أكله. و(الأثل) هو نوع من الشجر يشبه شجر الطرفاء.
س/ لفظة (السوق)؛ هل السوق يمدح في القرآن ويذم في السنة؟
ج/ لم يمدح السوق في الكتاب والسنة ولا ذم مطلقا. وكذلك كل شيء في الكتاب والسنة لا يمكن ان يختلف لان مصادرهما واحد وهو الوحي من الله تعالى. ولعلك اردت بالمدح قوله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) ، (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) وهما موضعان فقط وموضوعهما واحد وهو إثبات بشرية الرسل بوصفهم بالمشي في الأسواق.
بل أخذ منها بعضهم إشارة لطيفة (في صحتها نظر) لهوان الأسواق ودونيتها حتى على لسان أبناء السوق.
وأما الأحاديث والآثار في ذم الأسواق فهي ثابتة في كتب السنة الصحيحة، ومن ذلك: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ﷺ) قال: (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا ، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا) رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله: "لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه، والمساجد محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها".
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: (لَا تَكُونَنَّ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ) رواه مسلم.
وقال ميثمٌ من أصحاب النبي (ﷺ): (بَلَغَنِي أَنَّ المَلَكَ يَغْدُو بِرَايَتِهِ مَعَ أَوَّلِ مَنْ يَغْدُو إِلى المَسْجِدِ، فَلاَ يَزَالُ بِهَا مَعَهُ حَتَّى يَرْجِعَ ، فَيَدْخُلَ بِهَا مَنْزِلَهُ ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَغْدُو بِرَايَتِهِ مَعَ أَوَّلِ مَنْ يَغْدُو إِلى السُّوقِ) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني". وقال ابن حجر: "موقوف صحيح السند" انتهى.
قال ابن بطال رحمه الله: "هذا إنما خرج على الأغلب ؛ لأن المساجد يذكر فيه اسم الله تعالى، والأسواق قد غلب عليها اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال، والكَلَب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذُكر الله في السوق فهو من أفضل الأعمال" انتهى. "شرح صحيح البخاري".
وقال القرطبي رحمه الله في "الجامع لأحكام القرآن": "في هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق، لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان، وهكذا قال علماؤنا، لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر: كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين، تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها، فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته" انتهى.
فتبين بهذا أنه لا اختلاف بين الكتاب والسنة وأن دخول السوق مباح وقد يكون قربة في أحوال وأنه مذموم في غالب الأحوال.
س/ ما معنى: (رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ)؟
ج/ المعنى: هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم، من نعيمهم في الجنة اتكاؤهم على وسائد ذوات أغطية خضر مرتفعة وبسط حسان هي أجود البسط وأحسنها.
س/ هل الياء في عبقري ياء نسبة، وإلام ينسب؟
ج/ نعم ياء نسبة على أحد القولين؛ يقولون: نسبة إلى عبقر اسمٌ لبلدٍ للجن ينسبون إليه كل شيء عجيب. ثم تنوسيت هذه النسبة وصارت هذه الكلمة تدل على كل ما بلغ الغاية.
س/ هل الإرادة في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ عائدة إلى الجدار وكيف يكون ذلك؟
ج/ نعم الضمير عائد على الجدار، وهذا من فصيح كلام العرب كما ذكر ذلك الطبري، أي: (قد قارب من أن يقع أو يسقط. وإنما خاطب جل ثناؤه بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به).