"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ"
كلمتك الطيبة
تبقى حية
تؤتي أكلها
ولو ذبلت أنت
تقول كلمة طيبة في لحظة إشراق لروحك
فتضيء العتمة لك ولغيرك
ثم
تنطفيء وتعتم أنت
وكلمتك وقادة تضيء
ترى شعلتها من بعيد في ليلة ظلام
فتهتدي أنت بها...
مثل ماش في المفازة
يعرفها
قال لأضعن فيها علامات يهتدي السالكون بها
ثم تاه هو
وفي التيه والحيرة
برزت له علامته التي وضعها من بعيد.
"وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى"
تعرّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة.
علم الله أن الآلام في أزمان التعب والحزن والخوف والمرض والفقد تذهلنا عن الذكر والطاعات وتشغلنا عن التعبد
حيث تضيق الصدور وتدهش العقول وتطيش الأفكار وتختنق النفوس..
فأرشدنا للتزود في أوقات السعة والراحة والسكينة والفراغ...
أيتها النفوس السعيدة والقلوب المطمئنة هذه محطات الوقود في طريق الحياة
هذا أوان المصحف والسجدة والذكر والصيام والصدقة والبر
لا تتخط محطة الرخاء فتنقطع في صحراء الحياة وبيداء الألم.
كل لحظة رخاء تناديك
كل ساعة فرح تهتف بك
تعرف إلى الله في الرخاء
يعرفك سبحانه وأنت مذهول قد أسكتتك الآلام وأخرسك التعب وأقعدك الحزن.
يعاملك في شدتك مع انقطاعك
كأنما أنت ساجد وذاكر وعابد وداع
غراس الرخاء تتدلى ثماره في أوقات الجهد والضيق.
سجدة الآن ....وأنت مرتاح
خير وأنفع لك من الكنوز والأموال والشفعاء والأحبة حين تتألم
إنها الصلة التي تجعل الله معك
حتى حين تذهل أنت عن نفسك.
"وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ"
مشهور.. كلمة صادقة تصف بدقة من تطلَق عليهم، ليس فيها (بذاتها) مدح ولا ذم
إنه مشهور يعرفه الكثير من الناس.
وكلما عرفه الناس أكثر كان أكثر شهرة
ولا يترتب على الزيادة مدح ولا ذم أيضا.
إنما يأتي المدح والذم الشرعي
في سبب الشهرة نفسه
فإن كان سبب شهرته ما يدعو إليه من الخير فهو محمود بهذا الخير لا بالشهرة
وكلما زاد نفعه والمنتفعين به زاد خيره لزيادة خيره لا لزيادة شهرته
وعكسه
من كان سبب شهرته الشر فهو مذموم.
وكلما وصل شره إلى خلق أكثر كان أعظم إثما وأثقل وزرا والعياذ بالله
ومن اشتهر بشيء مباح فلا له ولا عليه إلا إذا ترتب على محتواه إشغال الناس وتضييع أوقاتهم وإلهائهم عما هو خير لهم فيأثم من هذا الباب.
ومن خلط كان حظه من الخير والشر بقدرها.
فبعضهم ينشر حديثا أو آية أو موعظة وهذا كله في حقه نافلة يؤجر عليها لكن ما ينشره من الحرام أعظم وزرا وربما لا يقوم كل ما ينشره من الخير في إزاء واحدة منها.
وشر المشهورين من اتسعت شهرته وكثر شره.
فيزاد إثما بكثرة من أغواهم وأضلهم.
"أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ"
في لفتة بديعة من ابن القيم إلى نوعي إضافة الفقر إلى الله والرب وهو الخاص والعام،
قال: وتأمل قوله: {أنتم الفقراء إلى الله} فعلق الفقر إليه باسمه "الله" دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر، فإنه كما تقدم نوعان: فقر إلى ربوبيته، وهو فقر المخلوقات بأسرها؛ وفقر إلى إلاهيته، وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين وهذا هو الفقر النافع. والذي يشير إليه القوم، ويتكلمون عليه، ويشمرون إليه، هو الفقر الخاص لا العام. وقد اختلفت عباراتهم عنه ووصفهم له، وكل أخبر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير).
(وَیَوۡمَ یَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ یَلۡبَثُوۤا۟ إِلَّا سَاعَةࣰ مِّنَ ٱلنَّهَارِ یَتَعَارَفُونَ بَیۡنَهُمۡۚ )
• لا إله الا الله.
كأنهم لم يلبثوا في القبور إلا ساعة
يتعارفون تعارف الذين افترقوا قبل ساعة واحدة!
فكل ميت من معارفك تعرفه يوم القيامة كرجل لقيته الرابعة عصرا في المسجد
ثم الساعة الخامسة -بعد ساعة واحدة- لقيته في السوق..
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قَدْر ساعةٍ من النهار
(وَقَالَ ٱلرَّسُولُ یَـٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِی ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا)
يقول ابن عاشور رحمه الله:
(واسْمُ الإشارَةِ في "هَذا القُرْآنَ" لِتَعْظِيمِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَّخَذُ مَهْجُورًا بَلْ هو جَدِيرٌ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والِانْتِفاعِ بِهِ.)
يعني:
للتعجيب من حال الهجر
أمثل هذا !
على عظمته ونفعه وبركته وحاجة الناس لتلاوته وتدبره العمل به
أمثل هذا ...يهجر.
(قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤۚ )
في كثير من حلقات البودكاست ومقاطع التواصل ينزلق متحدثون ربما من غير وعي لهذه القارونية البائسة ويحشو قصته بنسبة الفضل لنفسه بما حصله من مال أو جاه أو منصب...
وبيئة البودكاست والتواصل حاضنة محفزة لهذا النفس الادعائي فهي حديث عن النفس وفينا ميل طاغ للفخر وتسويق الذات.
وأسوأ ما يكون:
حين يتسلط علي رجال كبار شاب وهم في نهاية أعمارهم فيلتقي بهم فيحملهم على هذا الافتخار البائس:
فعلت وفعلت وفعلت
وأنا وأنا وأنا
أيها الثري!
ربما كان لك بعض الجهود في طريق ثروتك وإنجازك؛
لكن الكثيرين بذلوا نفس الجهد والخطوات؛ ولم يكن لهم نصيب من ذلك لحكمة يعلمها الله...
بذلت سببا أو عشرة أسباب؛
لكن في حياتك مليون سبب وظرف لم يكن لك أي قدرة أو تأثير فيه.
من جاء بك في هذا البلد الذي أثريت فيه؟
من وافق بك نمو الأسواق فيه؟
من منحك الصحة؟
هون عليك!
اخفض الضجيج
ابتليت أنت بالثروة...هل تنسب الفضل لله وتشكر؟
وابتلي غيرك بالحرمان هل يرضى بقدر الله ويصبر؟
هذه كل الحكاية....ليس أكثر
ستقول أنا أقول الحقيقة؟ وأحكي القصة
حتى قارون نفسه الذي مقته الله ربما
كان تاجرا ورجل أعمال وكان يقتنص الفرص ويبكر في الصباح ويدير عماله ويطور خبرته...
لكن الله مقته لهذه الكلمة النتنة الفاجرة...
تأدبي أيتها النفوس المغمورة في عطايا ربها
لا شيء لك
لا شيء منك
(وَٱلشُّعَرَاۤءُ یَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥن)
من هم الغاوون؟
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق خُصَيْف- في قوله: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾، قال: كان الشاعران يتقاولان؛ ليكون لهذا تبع، ولهذا تبع
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾،
قال: هم الرُّواة.
أي رواة الشعر ومن ينقله عنهم.
والنقل لا يشترط فيه الحفظ
بل يكفي في الذم نقل الشعر المذموم بوسائل التواصل.
"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ"
اللذة محورية في قصة الابتلاء
وعندها تمتحن عبوديات المؤمنين وصدق محبتهم لربهم، وإيثارهم لربهم عليها.
حينما يكبر الإنسان تذوي فيه مطالب الجسد ويفقد حلاوتها شيئا فشيئا حتى يصبح وجودها كالعدم حيث يمكن أن يتخلى عنها أو هي في الحقيقة (كما قال الأعشى) من تخلت عنه.
مقامات العبودية العالية تظهر في القدرة على الاستعلاء على اللذة في وقت اضطرامها وشدة اعتناق الجسد لها
في الصحيحين
جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ، وتَأْمُلُ الغِنى، ولا تُمْهِلُ حتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلانٍ كَذا، ولِفُلانٍ كَذا وقدْ كانَ لِفُلانٍ.
تؤجل توباتنا من كثير من الذنوب ليس لأننا غير مقتنعين بحكمها الشرعي لكننا ننتظر برود الحاجة إليها
حين يدخل أحدهم السجن لأي أمر يطلق لحيته ليس بأنه سمع بأحاديث جديدة هناك
لكن لأن لذة التزين والتجمل بردت
وهو متعبد لربه بإعفائها في سجنه مأجور بإذن الله
لكنه فوت فرصة أفضل لإقامة شاهد العبودية والحب لربه في الامتحانات الصعبة حين كان يستقبل الضيوف ويحضر المناسبات ويتجمل لأغراض كثيرة.
اشتعال اللذائذ وحضورها في حياتنا فرص لا تدوم
الشباب ، حب المال ، حب النساء ، دافع الانتقام حب الشهرة
عند هذه المنعطفات سبق السابقون
فكرة تأجيل التوبة (مع خطورة المخاطرة بمفاجأة الأجل ومع أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)
لكن التأجيل يشبه تأخير بيع السلع في وقت رواجها وشدة الطلب عليها
حين تصبح مسنا تستيقظ قبل صلاة الفجر ربما بوقت طويل
وتبحث عن النوم فلا تجده تنهض تتوضأ وتذهب للمسجد
هذا عمل صالح
لكن هناك شاب يغط في نوم عميق والنوم في ألذ صوره يصارع لذة فاتنة وضاغطة .....
إنها الفرصة السانحة
واللذة في أغلى أثمانها
لقد باعها لله ونهض ....ربح البيع.
كل اللذائذ فرص
أسعارها بقدر تعلقك بها
حين تفتر هذه العلاقة تنخفض أسعارها
العفو في الغضب أغلى
غض البصر في الشباب أثمن
ترك الإسبال وأنت في الوظيفة
التسويف هنا قرار باختيار الخسارة
ليس هناك أمل أن ترتفع الأسعار من جديد
فالعمر يمضي واللذائذ تذبل ومعها تبدو شواهد الحب لله أضعف من قبل...
اللذة نعمة للمؤمنين
فيها يتجرون ويبيعون أنفسهم لربهم
وَسَارِعُوۤا۟ إِلَىٰ مَغۡفِرَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِینَ﴾
قال الطبري
سارعوا: بادروا
غضك بصرك اليوم أغلا من الغد...
أدرك السوق .....
"وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ"
تذهب كلماتك الطيبة بعيدا
تغريدة ..مقطع...كتاب....صوت.. قراءة.
تنشرها فتجد صدى واسعا
تحتضنها وسائل التواصل بأرقام كبيرة
يأتيك صوت
لعل هذا القبول علامة على الصدق والإخلاص
يقوى هذا الشعور في داخلك.
الكلمات في ذاتها نافعة وحق؛
وأثرها في النفوس لا يمكن أن يكون إلا إذا خرجت من القلب.
لو لم أكن صادقا ما وصلت لأرواح السامعين
نعم في قلبك بقايا من خوف الرياء
لكنك مطمئن أنك في الطريق الآمن
وردود الأفعال تكثف هذه الركون في داخلك.
لكن
لحظة!
في الصحيحين
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَا بِلَالُ، قُمْ فأذِّن: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ ليؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر)
لا تحسب أن التأييد بالفاجر فقط بساحات المعارك فحسب
بل في ساحات الدعوة والتربية والتوجيه.
فقد يؤيد الدين بكلمات فاجر وتغريدات فاجر ووعظ فاجر وكتاب فاجر ومقطع فاجر ومقال فاجر
نعم يتأيد ويتقوى وينتصر به
لكن القائل لا ينتفع بها ولا أجر له.
أياك والنفس الغرور
لا تفلتها من الاتهام
لا تمنحها البراءة ما دامت الروح في الجسد.
أياك أن تدهده الأرقام حراس نيتك فينامون.
وتذكر
أنَّ رجلًا قالَ يا رسولَ اللهِ رجلٌ يريدُ الجهادَ في سبيلِ اللَّهِ وهوَ يبتغي عرَضًا من عرَضِ الدُّنيا فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ:
"لا أجرَ له"
حسنه الحافظ ابن حجر