وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) عن علي رضي الله عنه قال: هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن؛ لأن الكريم إذا عاقب مرة لا يعاقب عليه ثانيا.
وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) في الإقسام بالقرآن على علو قدره، براعة بديعة، وإيذان بأنه من علو الشأن بحيث لا يحتاج في بيانه إلى الاستشهاد عليه بالإقسام بغيره، بل هو كاف في الشهادة على ذلك، من حيث الإقسام به، كما أنه كاف فيها من حيث إعجازه.
والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) خص بالذكر مع اندراجه فيما قبله، تنويها بشأنه، وتنبيها على سمة مكانه من بين سائر ما يجب الإيمان به، وأنه أصل في الكل، ولذا أكد بقوله: (وهو الحق من ربهم) بطريق حصر الحقية فيه.
إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) في الآية لطائف: قال الله في الكافر: "جعل" وفي حق المؤمن: "أنزل" إشارة إلى أن الحمية في نفسها مذمومة، وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحا، وكانت مجعولة في الحال، وأما السكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرحمة، فأنزلها الله، فهي حسنة، وإضافة "الله" فيها أحسن، فالله تعالى أنزل في مقابلة حمية الكافرين على المؤمنين سكينة .. فهو من فضل الله تعالى.
وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) تقييد الإصلاح بالعدل، لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة، وقد أكد ذلك حيث قال: (وَأَقْسِطُوا) .. وفيها دلالة على أن الباغي المقاتل، لا يخرج بالبغي عن الإيمان، وأنه يجب معاونة من بغي عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة، ولفظة «إن» إشارة إلى ندرة الوقوع بين المسلمين، وإلى أنه ينبغي أن لا يقع منهم، ولم يقل: منكم تبعيداً لهم عنهم، وقال ههنا (بالعدل) ولم يقل هناك فأصلحوا بالعدل، لأن الإصلاح هناك بإزالة الاقتتال، وذلك يكون بالنصيحة، أو التهديد والزجر، والإصلاح ههنا بإزالة آثار القتل من ضمان المتلفات وهو حكم، فقال: (بالعدل) لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة بينهما مرة أخرى.
ياأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن) والكذب والافتراء هما في غاية القبح، فلم ينه عنهما اكتفاء بقوله: (ياأيها الذين ءامنوا) لأن وصفهم بالإيمان يمنعهم عنهما، وهما دأب الكافرين، وإنما منعهم عما يكثر وجوده في المسلمين.
فويل يومئذ للمكذبين) فيه إشارة بأمان أهل الإيمان؛ لأنه لما قال: (إن عذاب ربك لواقع) ولم يبين بأنه موقعه على من؟ فلما قال: (فويل يومئذ للمكذبين) عُلم المخصوص به، فمن لا يكذب لا يعذب.