(واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) لقد بالغ عزّ وجل في التوصية بهما، حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه، ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً، ثم ضيق الأمر في باب مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر، مع ما له من موجبات الضجر، وختمها بأن جعل رحمته التي وسعت كل شيء مشبهة بتربيتهما.. سئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه؟ فقال : نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات.
(ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه) أوثر ضمير الجماعة باعتبار المعنى للفظ "من" في مقابلة الإفراد، نظرا إلى لفظهما، تلويحا بوحدة طريق الحق، وقلة سالكيه، وتعدد سبيل الضلال وكثرة الضالين.
(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) إيذان بعظم التنزيل الجليل، إذ عليه يدور فلك سعادة الدارين، وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، تشريف له وتكريم، لأنه أعلى مراتب الفخار.
(خالدين فيها لا يبغون عنها حولا) أي لا يطلبون التحول عنها؛ إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم، وهذا الوصف يدل على غاية الكمال؛ لأن الإنسان في الدنيا إذا وصل إلى أي درجة من السعادة فهو طامع إلى ما هو أعلى منها.
(إذ نادى ربه نداء خفيا) قد راعى عليه السلام حسن الأدب في إخفاء دعائه، فإنه أدخل في الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس، على طلب الولد في أوان الكبر.
(فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) إنما أمرت بذلك لكراهة مجادلة السفهاء، والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام فإنه نص قاطع في قطع الطعن، وفيه دلالة على أن تفويض الكلام إلى الأفضل أولى.
⦁ (تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى) وصفه بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية، للإشعار بأن خلقهما من آثار رحمته تعالى، وفيه إشارة إلى أن تنزيل القرآن أيضا من أحكام رحمته.