(وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم) إسناد المس إلى الضراء، وإسناد الإذاقة إلى ضمير الجلالة، من الآداب القرآنية، كما في قوله: (وإذا مرضت فهو يشفين).
(ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات) في التعبير عن ملابسة الرحمة والنعماء بالذوق، وعن ملابسة الضراء بالمس المشعر بكونها في أدنى الأمور والمصائب اليسيرة، مما يدل على أن مراده تعالى إنما هو إيصال الخير، وإنما يريد بعباده اليسر دون العسر..
(قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) قال محمد القرظي: "دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة.."، وقال الحسن: "ما زال الله تعالى يأخذ لنا بسهمنا، كلما هلكت أمة خلقنا في أصلاب من ينجو بلطفه، حتى جعلنا في خير أمة أخرجت للناس"، وههنا لطيفة وهي أنه قد تكرر في هذه الآية حرف واحد وهو الميم مرات مع غاية اللطف .. فلله تعالى شأن التنزيل ما أكثر لطائفه.
(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) لم يتعرض عليه السلام صريحا لرد قولهم المتضمن لرميه –وحاشاه- بالوسوسة والجنون والسفه، إيذانا بأن ذلك مما لا يستحق جوابا لظهوره.
(واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) من الأسرار العجيبة في البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله: (وأقم الصلاة) (ادع إلى سبيل ربك)، وإن كانت عامة في المعنى والمناهي جمعت للأمة، كقوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) وقوله: (ولا تطغوا)، وما أعظم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه جل جلاله، حيث دفع عنه ما يوهم البغي والطغيان.
(وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) هذه الآية وما في معناها من قواعد علم الاجتماع البشري، وهو العلم بسنن الله عز وجل، في قوة الأمم وضعفها، وبدأ ابن خلدون فجعله علما مدونا، ولكن استفاد غير المسلمين مما كتبه في ذلك، ووسعوه، فكان من العلوم التي سادوا بها على المسلمين الذين لم يستفيدوا من هداية القرآن العظيم..
(وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه) عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته: (أكرمي مثواه)، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: (يا أبت استأجره)، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهما.