روي عن حميد بن زياد قال: قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي، ألا تخبرني عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن؟ فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم، فقلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله!! ألم تقرأ قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..)
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) قال الحسن: بايعهم فأغلى لهم الثمن، وانظروا إِلى كرم الله، أنفُساً هو خلقها، وأموالاً هو رزقها، ثم وهبها لهم، ثم اشتراها منهم بهذا الثمن الغالي، فإِنها لصفقة رابحة.
(وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم) إسناد المس إلى الضراء، وإسناد الإذاقة إلى ضمير الجلالة، من الآداب القرآنية، كما في قوله: (وإذا مرضت فهو يشفين).
(ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات) في التعبير عن ملابسة الرحمة والنعماء بالذوق، وعن ملابسة الضراء بالمس المشعر بكونها في أدنى الأمور والمصائب اليسيرة، مما يدل على أن مراده تعالى إنما هو إيصال الخير، وإنما يريد بعباده اليسر دون العسر..
(قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) قال محمد القرظي: "دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة.."، وقال الحسن: "ما زال الله تعالى يأخذ لنا بسهمنا، كلما هلكت أمة خلقنا في أصلاب من ينجو بلطفه، حتى جعلنا في خير أمة أخرجت للناس"، وههنا لطيفة وهي أنه قد تكرر في هذه الآية حرف واحد وهو الميم مرات مع غاية اللطف .. فلله تعالى شأن التنزيل ما أكثر لطائفه.
(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) لم يتعرض عليه السلام صريحا لرد قولهم المتضمن لرميه –وحاشاه- بالوسوسة والجنون والسفه، إيذانا بأن ذلك مما لا يستحق جوابا لظهوره.