(واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) فيها تنبيه على أنه تعالى مطلع على مكنونات القلوب، وحث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره.
(إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) إبراز اهتدائهم مع ما بهم من الصفات الحسنة في معرض التوقع، لقطع أطماع الكفرة، فإن المؤمنين مع ما بهم من هذه الكمالات، إذا كان أمرهم دائرا بين "لعل" و"عسى"، فما بال الكفرة، وهم على ما عليه من الكفر والإجرام؟ وفي الآية لطف بالمؤمنين وترغيب لهم في ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، ومنع لهم أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا عليها.
(فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) خصت هذه بالذكر لأن غرض الكانزين من الكنز أن يكونوا ذوي وجاهة، وأن يتنعموا بالمطاعم الشهية، والملابس البهية، فلوجاهتهم كان الكي بجباههم، ولامتلاء جنوبهم بالطعام كووا عليها، ولما لبسوا من فاخر الثياب كويت بها ظهورهم، وقيل: لأنهم إذا رأوا الفقير أعرضوا عنه وطووا كشحا ولووا ظهورهم فلذلك كويت الجباه والبطون والظهور.
(قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع) في إيثار (لا أجد) على ليس عندي، من تلطيف الكلام، كأنه صلى الله عليه وسلم يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده.. (تفيض من الدمع) أبلغ من يفيض دمعها؛ لأنه يدل على أن العين صارت دمعا فياضا.
روي عن حميد بن زياد قال: قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي، ألا تخبرني عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن؟ فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم، فقلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله!! ألم تقرأ قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..)
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) قال الحسن: بايعهم فأغلى لهم الثمن، وانظروا إِلى كرم الله، أنفُساً هو خلقها، وأموالاً هو رزقها، ثم وهبها لهم، ثم اشتراها منهم بهذا الثمن الغالي، فإِنها لصفقة رابحة.