من فوائد سورة يوسف
أن الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله، مما يقربه إلى الله زلفى، لأن الهمّ داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين محبة الله وخشيته، غلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى. فكان ممن {خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أحدهم: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله" وإنما الهم الذي يلام عليه العبد، الهم الذي يساكنه، ويصير عزما، ربما اقترن به الفعل.
ومنها: أن من دخل الإيمان قلبه، وكان مخلصا لله في جميع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه لقوله. {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} على قراءة من قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح، فإنه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله، وخلصه من السوء والفحشاء.
من فوائد سورة يوسف أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية، أن يفر منه ويهرب غاية ما يمكنه، ليتمكن من التخلص من المعصية، لأن يوسف عليه السلام -لما راودته التي هو في بيتها- فر هاربا، يطلب الباب ليتخلص من شرها.
من فوائد سورة يوسف:
أن القرائن يعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار، فما يصلح للرجل فإنه للرجل، وما يصلح للمرأة فهو لها، إذا لم يكن بينة، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر، من هذا الباب، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قد القميص، واستدل بقدِّه من دبره على صدق يوسف وكذبها، ومما يدل على هذه القاعدة، أنه استدل بوجود الصُّواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة، من غير بينة شهادة ولا إقرار، فعلى هذا إذا وجد المسروق في يد السارق، خصوصا إذا كان معروفا بالسرقة، فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، حاملا فإنه يقام بذلك الحد، ما لم يقم مانع منه، ولهذا سمى الله هذا الحاكم شاهدا فقال: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا}
(ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد..) جواب "لو" محذوف: إيذاناً بقصور العبارة عن تفصيله، أي: لو تراهم حين يوقفون على النار لرأيت ما لا يسعه التعبير، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق.
(وَإِن يَمْسَسْكَ الله بضر فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هو وإن يمسسك بخير فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) ومن دقائق بلاغة القرآن المقابلة بين الضر والخير، والنكتة فيه أن الضر من الله تعالى ليس شراً في الحقيقة بل هو تربية واختبار، ثم ذكر الخير في مقابلة الضر، فأفاد أن ما ينفع الناس من النعم، إنما يحسن إذا كان خيراً لهم، وقدم الضر إيذاناً على أن المضرة يعقبها الخير والسلامة.
(وكم مِّن قرية أَهْلَكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هُم قَائلُونَ) تخصيص الحالتين بالعذاب، لما أن نزول المكروه عند الغفلة أفظع وحكايته للسامعين أزجر وأردع، فلا ينبغي للعاقل أن يأمن صفو الليالي، ولا يَغْتَر بالأيام الخوالي، وفيه إشارة إلى أنهم أرباب أشر وبطر، لأن القيلولة أظهر في إرادة الدعة، وخفض العيش، فإنها من دأب المترفين، دون من اعتاد الكدح والتعب في النهار.
(ولو شاء ربك ما فعلوه) إنما قال هنا: (ولو شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) وفيما يأتي: (ولو شَاء الله مَا فَعَلُوهُ) فغاير بين الاسمين، فهذه الآية من عداوتهم له التي لو شاء منعهم عنها، ويقتضى ذكره جل شأنه بهذا العنوان، إشارة إلى أنه تعالى مربيه، وهو في كنف حمايته، وأما الآية الأخرى - ۱۳۷ - فذكر قبلها إشراكهم فناسب ذكره عزّ اسمه بعنوان الألوهية، التي تقتضي عدم الإشراك..
(وحاجّه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون) أي أتعرضون عن التأمل في أن آلهتكم بمعزل عن القدرة.. وفي إيراد التذكر دون التفكر، إشارة إلى أن أمر آلهتهم مركوز في العقول، لا يتوقف إلا على التذكير.
(فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر..) إنما لم يؤنث لصيانة الرب من وصمة التأنيث؛ ولأن الشمس تأنيثها غير حقيقي، (هذا أكبر) تأكيد لما رامه من إظهار النصَّفَة، مع إشارة خفية إلى فساد دينهم من جهة أخرى ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر..