(ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم) إنما نسب تسميتهم نصارى إلى أنفسهم، دون أن يقال: ومن النصارى، إيذانا بأنهم في قولهم: "نحن أنصار الله" بمعزل من الصدق، إنما هو تقوّل محض منهم، وليسوا من نصرة الله في شيء، فإن ادعاءهم لنصرته تعالى، يستدعي ثباتهم على طاعته سبحانه ومراعاة ميثاقه.
(قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين) والعبرة في الآية أن الحسد كان منار أول جناية من البشر، ولا يزال هو الذي يفسد على الناس أمر اجتماعهم، وينغص عليهم عيشهم.
(من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل..) (ذلك) إشارة إلى عظم شأن القتل، وإفراط قبحه... (على بني إسرائيل) خصهم بالذكر لما أن الحسد كان منشأ لذلك الفساد، وهو غالب عليهم، ولأن التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل ومع ذلك كانوا أشد طغيانا فيه، حتى قتلوا الأنبياء عليهم السلام.
(فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم (وإن تعرض عنهم) فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) تقديم حال الإعراض للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه، حيث كان مظنة الضرر، لما أنهم إذا أعرض عنهم شق ذلك عليهم فتشتد عداوتهم فأمّن الله تعالى رسوله بقوله: (فلن يضروك).
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) في الآية أشد تحذير، حيث علق الحكم بالكفر بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله تعالى، فكيف وقد انضم إليه الحكم بخلافه.
(ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) التعرض لعنوان إيتاء الكتاب؛ لبيان شناعتهم، لما أن إيتاء الكتاب وازع لهم عن الاستهزاء بالدين، المؤسس على الكتاب المصدق لكتابهم.
(لَوْلَا يَنْهَلَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)) وهذا أبلغ مما تقدم من الفعل والعمل لما تقرر في اللغة، أن الفعل ما صدر عن الإنسان مطلقاً، فإن كان عن قصد سمي عملاً، ثم إن حصل بمزاولة وتكرر حتى رسخ وصار ملكة له، سُمّي صُنعاً وصنعة، فلذا كان الصنع أبلغ، لاقتضائه الرسوخ، ففي الآية إشارة إلى أن ترك النهي أقبح من الارتكاب.
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ} إنما أنزل الله كتابه لـ {أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ} أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وأن لا يشرك به أحد من خلقه.