(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) وصفوا بالإيمان كما وصفوا بالإخلاص، تنبيها على إحرازهم لفضيلتي: العلم، والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد، ويعز ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة.
(فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) فيها بيان لبلوغه صلى الله عليه وسلم في جلالة القدر غاية ليس وراءها غاية، حيث نفى تكذيبهم له صلى الله عليه وسلم وأثبته لآياته، على طريقة قوله تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) إيذانا بكمال القرب، واضمحلال شؤونه صلى الله عليه وسلم في شأن الله عز وجل، وفيه استعظام جنايتهم، كأنه قيل: لا تعتد به وكله إلى الله تعالى، فإنهم في تكذيبهم ذلك لا يكذبونك في الحقيقة (ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) .. وإيراد الجحود في موضع التكذيب للإيذان بأن آيات الله تعالى من الوضوح بحيث يشاهد صدقها كل أحد وأن من ينكرها إنما ينكرها بطريق الجحود الذي هو عبارة عن الإنكار مع العلم بخلافه.
(قال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها) فيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأنه تعالى طرده لتكبره لا لمجرد عصيانه، ولا يخفى لطافة التعبير به دون الخروج في مقابلة قوله: (أنا خير منه).
(وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء) تقديم الموعظة لأنها الأساس في صلاح الإنسان، فالاهتمام بها أشد، والعناية بها أتم، ألا ترى أن أكثر الفواصل في الكتاب العزيز جاء على هذا النمط، نحو قوله سبحانه: (أفلا تتقون)، وقوله: (أفلا تذكرون)، واستمع إلى سورة الرحمن، وقد تمرر فيها قوله سبحانه: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ثلاثين مرة، وذلك ليألف السامع اتعاظا وادكارا، ويجد فيها تنبيها واعتبارا.
ولما سكت عن موسى الغضب) في هذا النظم الكريم من البلاغة والمبالغة ما فيه، فقد شبه الغضب بشخص يرعد ويزمجر، ويريد أن يبطش بخصمه، وصوته يرتفع يريد الانتقام، ثم اختفى هذا الصوت وسكت.
(قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء) في نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع، ونسبة سعة الرحمة بصيغة الماضي، إيذان بأن الحمة مقتضى الذات، وأما العذاب فبمقتضى معاصي العباد.