(كل مِنْ عِندِ رَبِّنَا ) في التعبير بالرب إشارة إلى سر إنزال المتشابهات والحكمة فيه، لما أنه متضمن معنى التربية والإيصال إلى معارج الكمال، وقد قالوا: إنما أنزل المتشابه لذلك، وليظهر فضل العلماء، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبره وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباط ما أريد به من الأحكام الفقهية فينالوا بذلك المدارج العالية، وذلك من التربية والإرشاد.
(فئة تقاتل في سبيل الله) وهم المؤمنون، لكن ذكر مكانه من أحكام الإيمان : الجهاد في سبيل الله، مدحا لهم وإيذانا بأنه المدار في تحقيق النصر، (وأخرى كافرة) وإنما لم توصف هذه الفئة لإسقاطهم عن درجة الاعتبار.
(قال رب هب لي ذرية) طلبه بلفظ الهبة لأن الهبة إحسان محض، وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد لكبر سنه ولا للوالدة لكونها عاقرا، فكأنه قال: أعطني ذرية من غير طريق معتاد.
(فقل تعالوا ندعوا أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم..) في تقديمهم على النفس مع أن الرجل يخاطر بنفسه من أجلهم، ويحارب دونهم ، للإيذان بكمال أمنه صلى الله عليه وسلم عليهم، وأن لن يصيبهم شائبة من أذى لثقته بأنه على الحق.
(بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ) هذه الآية من الجوامع، لأن الطاعة محصورة في أمرين: التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله، والوفاء بالعهد مشتمل عليهما..
(ولله على الناس حج البيت) لقد حازت الآية الكريمة كمال الاعتناء بأمر الحج، حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقق، وأبرزت في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والاستمرار، وسلك فيها مسلك التعميم ثم التخصيص والإبهام ثم التبيين لما في ذلك من مزيد تحقيق وتقرير، وعبر عن تركه بالكفر وجعل جزاءه استغناءه تعالى، المؤذن بشدة المقت، وعظيم السخط، تنبيها على وجوبه وفرضيته.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَفِرِينَ) خطاب للأنصار على ما يقتضيه سبب النزول، ويدخل غيرهم من المؤمنين في عموم اللفظ، خاطبهم الله تعالى بنفسه، بعدما أمر رسوله بخطاب أهل الكتاب: إظهاراً لجلالة قدرهم، وإشعاراً بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم الله تعالى.