{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم، من فرعون، كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشكوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة مرتفعة ببدنه، ليكون لهم عبرة وآية، {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها، لعدم إقبالهم عليها، وأما من له عقل وقلب حاضر، فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرت به الرسل.
(وقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) ولم يقل: إن لكما الجنة، لأن في علمه تعالى أنهما يخرجان منها، بسبب المخالفة، وقال للمؤمنين: إن لهم الجنة لما لم يكن لهم خروج.. وتخصيص الخطاب بآدم عليه السلام، لأن المرأة تابعة للرجل في السكنى والمعيشة بمنطق الفطرة..
{وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} قال ابن كثير: ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلا على الرسول صلى الله عليه وسلم..
(فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا ..) ولم يقل: فأنزلنا عليهم، وإنما قال: (على الذين ظلموا) زيادة في التقبيح، ومبالغة في الذم والتقريع، وتنكير (رجزا) للتهويل والتفخيم.
(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول..) أمر الله تعالى المؤمنين حين كانوا بمكة أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا من المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا من اليهود.
(كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) إرسال الرسول، نعمة لا تكافئها نعمة، لما فيه من الشرف لهم، فإن البعثة منهم وفيهم، أقرب إلى قبول قوله والانقياد له فيما كان سبباً لسعادة الدين والدنيا (يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا) صفة ثانية للرسول، كاشفة لكمال النعمة، يعني القرآن، وذلك من أعظم النعم، وفيه إشارة إلى إثبات نبوته لأن تلاوة الأمي، الآيات الخارجة عن طوق البشر، واشتمالها على المصالح التي ينتظم بها أمر المعاش والمعاد، أقوى دليل على نبوته ..(وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) صفة أخرى مترتبة في الوجود على التلاوة، وإنما وسط بينهما التزكية، للإيذان بأن كلا من الأمور المترتبة نعمة جليلة بانفرادها مستوجبة للشكر، وهو السر في التعبير عن القرآن تارة بالآيات، وأخرى بالكتاب وثالثاً بالحكمة رمزاً إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة..
( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، دالة عليها تصريحاً أو تلويحاً، فإنها - بكثرتها - منحصرة في ثلاثة أشياء : 1 - صحة الاعتقاد ۲ - وحسن المعاشرة - وتهذيب النفس وقد أشير إلى الأول بقوله : (من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) وإلى الثاني بقوله : (وآتى المال على حبه) وإلى الثالث بقوله : (وأقام الصلاة وآتى الزكاة إلى آخر الآية)، ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظراً إلى إيمانه وبالتقوى اعتباراً بمعاشرته للخلق، ومعاملته مع الحق، ومن عمل بهذه الآية، فقد استكمل الإيمان.
(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان)، قال ابن كثير: والمراد من هذا: أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء. وفيه ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى... وإنما وردت آية الدعاء ضمن آيات الصيام للتنبيه على أن هناك أوقاتا للإجابة .. منها عند فطر الصائم.