(يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم) أي بعضها.. ولم تجيء مع (من) إلا في خطاب الكافرين، وقال تعالى في خطاب المؤمنين: (يغفر لكم ذنوبكم) وذلك للتفريق بين الخطابين، فالمؤمنون تغفر لهم جميع ذنوبهم تفضلا وكرما.
فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) قيل: لو قال: أفئدة الناس، لازدحمت عليهم الناس، وأهل فارس والروم.. واستدل به على أن تحصيل منافع الدنيا إنما هي للاستعانة بها على أداء العبادات.
(فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه) أبلغ من: سقيناكم؛ لما فيه من الدلالة على جعل الماء معدا لهم ينتفعون به متى شاؤوا، يقال: سقيته إذا كان بيدك، وأسقيته إذا جعلته له سقيا.
(نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم) في توصيف ذاته تعالى بالرحمة والمغفرة، دون التعذيب، حيث لم يقل: وإني أنا المعذب المؤلم، ترجيح لجانب الوعد على الوعيد، ويقوي أمر الترجيح الاتيان بالوصفين بصيغتي المبالغة.
(إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر) وصفهم بذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإعلامه أنهم لم يقتصروا على الاستهزاء به صلى الله عليه وسلم بل اجترؤوا على العظيمة التي هي الشرك بالله تعالى.
(فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين) في أمره صلى الله عليو سلم بما ذكر: إرشاد إلى ما يكشف به الغم الذي يجده، ولمزيد الاعتناء بأمر الصلاة جيء بالأمر بها، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة، وفي الآية إشارة إلى الترغيب بالجماعة فيها.
(فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) تخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة، للتنبيه على أهمية القرآن وعظم شأنه، ليستنير بنوره، ويدفع عنه وساوس الشيطان.
(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) إيثار لفظ "العبد" للإيذان بتمحضه صلى الله عليه وسلم في عبادته سبحانه وتعالى، وبلوغه في ذلك غاية الغايات، حسبما يلوح به مبدأ الإسراء ومنتهاه، (ليلا) ..يدل التنكير على تقليل مدة الإسراء، وأنه تعالى أسرى به في بعض الليل لا في كله.
(لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) وفيه إيماء إلى أن الإسراء ليس إلا لتكرمته ، ورفع منزلته، وإلا فالإحاطة بأقواله وأفعاله حاصلة من غير حاجة إلى التقريب، والالتفات إلى الغيبة لتربية المهابة .. حكمة الإسراء: كان قد ذهب إلى الطائف يدعو أهلها إلى الإسلام، فما أحسنوا استقباله بل أساؤوا إليه، فرجع حزيناً إلى مكة لوقوف قريش بالمرصاد في طريق رسالته، فكأنما طاف بنفسه وروحه العالية، وكأنما رأى أنه محوط بأعداء الإسلام من كل جانب، مع قلة أنصاره، فكان في حالة لا يمكن التعبير عنها بالقلم، لشدة حرصه على خير العالم، وعظيم شوقه إلى انتشار الإسلام، وحينئذ كان الإسراء والمعراج، ليبشره الله تعالى عملياً بما يزيل من نفسه عوامل الحزن والأسف..