﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ • ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾:
"المعاصي تصرف القلب عن الإستقامة! ومن عقوباتها؛ أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه".
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾:
فأول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطا، وشد رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم الأذن. ويكابد محنا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مسألة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار.
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾:
حد العقل: استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل، وقد نص الله تعالى في غير موضع من كتابه أن من عصاه لا يعقل؛ (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير). ثم قال تعالى مصدقا لهم: (فاعترفوا بذنوبهم فسحقا لأصحاب السعير).
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾:
استوقفتني هذه الآية العظيمة وأرعبني المشهد والحال الذي سيصل إليه من دخل النار، (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) أي: تغشاهم من جميع جوانبهم، حتى تصيب أعضاءهم الشريفة، ويتقطع لهبها عن وجوههم، (وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) قد عبست وجوههم وقلصت شفاههم، من شدة ما هم فيه، وعظيم ما يلقونه. اللهم أجرنا من النار وأحسن وفادتنا إليك.
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾:
أتظن أن تصفو لك الحياة وهي التي تكدرت على محمد صلى الله عليه وسلم، وتنكرت له الأيام، وجمح عليه الزمان؛ ليجاوز مدى أولي العزم من الرسل، وتلك الغاية منوطة بالمحنة؛ وهو الذي كان يقول: "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل". أخرجه الحاكم في المستدرك (١٠٠/١).