في قوله تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) دلالات مهمة منها:
1- أن تَعَلُّم كتاب الله إقراء وحفظًا وفهمًا، لا عجلة فيه، بل هي الأناة والتؤدة.
2- أن درجات العلم تبدأ بكتاب الله حفظًا وفهمًا، ثم يتزود الإنسان من العلم ما شاء؛ ولذلك أتبع في الآية تلقي القرآن بطلب التزود من العلم.
قال ابن عباس: أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة، ثم قرأ: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) قال: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
ومِن الناس مَن تعلَّم القرآن لكنه أهمل تلاوته، وهذا هجران للقرآن وحرمان للنفس مِن أجرٍ عظيم، وسبب لنسيانه، وقد يدخل في قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي)، فإنَّ الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان خسارة كبيرة، وسبب لتسلط الشيطان على العبد، وسبب لقسوة القلب
ومَن نظر إلى الخيل والبهائم والأشجار على وجه استحسان الدنيا والرئاسة والمال، فهو مذموم لقوله تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ )، وأمَّا إن كان على وجه لا ينقص الدين، وإنما فيه راحة النفس فقط، كالنظر إلى الأزهار، فهذا من الباطل الذي قد يستعان به على الحق.
(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) مِن هذا قطعًا تعلم أنَّ شأن المعاملة مع الله ومع خلقه عظيم عظمًا لا يعرف قدره إلا الرجل العاقل؛ فإن عليها يترتَّب غضب الله وعقابه، أو رضاه والنعيم المقيم، وشيء هذا قدره لا يتوقف ولا يتردَّد في بذل العناية به رجل بصير.
يقول أحد الإخوة:
عندما حرمت من الذرية ست سنوات، وطرقت أبواب المستشفيات ولم أجد فائدة، تذكرت قول زكريا: (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)، فأصبحت أرددها دائمًا، مع الدعاء، والاستغفار، والرقية؛ حتى رزقني الله بطفلين، ولله الحمد.
قال أبو بكر الصديق: هذا كتاب الله، لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، استضيئوا منه اليوم ليوم الظلمة، واستنصحوا كتابه وتبيانه، فإن الله قد أثنى على قوم فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).