ربط الله سبحانه دفاعه عنك بصفة الإيمان؛ فكلما زاد إيمانك زاد دفاعه عنك، وكلما ضعف إيمانك؛ ضعف دفاعه عنك، وهذا بناء على القاعدة التفسيرية: أن الحكم المعلق على وصف، يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
إذا عبر عن شيء بأحد أجزائه، فهذا دليل على أنه ركن فيه؛ ومن هنا أخذت ركنية الركوع والسجود في الصلاة من قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الحج: ٧٧).
ختم الله سورة الحج بقوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)، وفي ذلك -والله أعلم- إشارة إلى استمرار الجهاد والمجاهدة بعد هذه الفريضة العظيمة، والأيام المتميزة بفضلها، وتنوع الأعمال الصالحة فيها، وأن ذلك ليس خاصًا بها، بل العبد محتاج لها في الصلاة، والزكاة، والاعتصام بالله، مبينا أن الانضباط بالشريعة -مع حاجته إلى المجاهدة- ليس فيه أي حرج أو عسر، بل هو سمة هذا الدين، ومنهج أبينا إبراهيم، وبه يتحقق الاجتباء والاصطفاء، فهل يتنبه لذلك من يركن للراحة والدعة والتفريط بعد الحج؟!
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) أفلحوا هكذا بإطلاق؛ في كل شيء، في كل آن.. لم يقيد الفلاح بـ(أين) ولا (متى)، هم المفلحون دوما لو التزموا الإيمان.
د.خالد المزيني
فتأمل -يا عبدالله- في الصفات التي جعلت أولئك المؤمنين يفلحون، وتأمل أواخر هذه السورة؛ لتدرك ِلمَ لا يفلح الكافرون؟!
لقد كانت هذه الآية -التي وصف الله فيها عباده المفلحين-: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) من أعظم ما منعني من الاسترسال في إرسال الرسائل التي لا فائدة منها، فضلًا عن المحرمة، رغم أن عرض الرسائل المجانية ما زال ساريًا.
(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) جاء لفظ (تبارك) في القرآن عدَّة مرات، وكلها مسندة إلى الله، ولم تأت مسندةً لمخلوق أبدًا؛ لأنَّ المخلوق لا يوجدها، ولكن قد يكون سببًا في حدوثها، وبهذا يتبيَّن خطأ القول الشائع كـ: تبارك المنزل، وتباركت السيارة ونحوهما، مع حسن قصد قائلها.
(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) أمر الرسل بالأكل من الطيبات فيه رد على الغلاة الذين يمتنعون منها، وفيه رد على الجفاة الذين لا يقتصرون عليها.
قال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)، وقال: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) أمرٌ طبيعي أن نبتلى، والمطلوب شرعًا أن يسمع ربنا ـ الغني عنا ـ تضرعنا حين نبتلى؛ لأن الله عاب على هؤلاء عدم تضرعهم فقط.
والتخلق بهذه الآية هو أن المؤمن الكامل ينبغي له أن يفوض أمر المعتدين عليه إلى الله، فهو يتولى الانتصار لمن توكل عليه، وأنه إن قابل السيئة بالحسنة كان انتصار الله أشفى لصدره وأرسخ في نصره، وماذا تبلغ قدرة المخلوق تجاه قدرة الخالق؟ وهو الذي هزم الأحزاب بلا جيوش ولا فيالق.