هنا أشجار.. وهناك نجوم.. هذه شمس، وهذا قمر.. وتلك جبال.. هنا وهناك دوابٌّ كبار وصغار، فإذا اجتمعت لك -كلها أو بعضها- وأنت في البرية، أو تسير في طريق، فتذكر أنها كلها تسجد لله، تأمل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ).
وصف الله المسجد الحرام بقوله: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ )؛ للإيماء إلى علة مؤاخذة المشركين بصدهم عنه؛ لأجل أنهم خالفوا ما أراد الله منه فإنه جعله للناس كلهم يستوي في أحقية التعبد به العاكف فيه أي: المستقر في المسجد والبادي أي: البعيد عنه إذا دخله .
(وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) خدمة البيت الحرام وخدمة عُمَّاره من أعظم الطاعات، والتطهير هنا يعم الحسي والمعنوي، فالعمل في ذلك من أشرف الأعمال؛ فتنبه أيها المؤمن أن تقوم بما يضاد ذلك.
(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) رأى بعض الصالحين الحجاج في وقت خروجهم، فوقف يبكي ويقول: واضعفاه! ثم تنفس وقال: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت؟ يحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، ولمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبة وهو قاعد أن يحزن.
(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) من منافع الحج العظيمة التي تشملها الآية:أن يتعلَّم الحجاج ما به منفعتهم في الآخرة، أما منفعة الدنيا، فالناس أساتذة ذلك، لكن منفعة الآخرة الناس اليوم بأشدِّ الحاجة إليه، وإذا كان زمن الحج قصيرًا، فالواجب أن يُكثَّف الجهد في الحج لتعليم الجاهل وتبصير الغافل، فأوصي كل من يذهب إلى الحج وله فضل علم أن يبلغه؛ لأن النبيَّ نادى بعرفة فقال: «اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد»(() أبو داود ح(٣٣٣٤). ).
هل وقفت متأملاً وأنت تقوم بتطهير جسدك، وتحلق شعرك، ثم تطيب بدنك؟ بأن تلتفت التفاتة جادة لقلبك فتطهره مما لحقه وران عليه؛ لتحقق الهدف الأسمى للحج، فتعود كما ولدتك أمك؟
(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) انظر إلى هذا الزلزال النفسي، والشعور بالدمار والخراب في الحياة، الذي يملأ صدور الكفار، واليأس القاتل الذي يجثم على أحلامهم؛ لما يعيشونه من فقر شديد بالعلم بالله، بينما يملأ هذا حياة المسلم سعة ورحمة؛ بسبب ما يتيحه له من آفاق أرحب، للنظر في الحياة والكون والمصير.
(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الشعائر هي أعلام الدين الظاهرة، والمعظِّمُ لها يبرهن على تقواه وصحة إيمانه؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله.
قال تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) فالعبادات إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشور الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا روح فيه.