قال تعالى في أول سورة النور: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) فهذه السورة فيها حجج وتوحيد، وفيها دلائل الأحكام، والكل آيات بينات: حجج العقول ترشد إلى مسائل التوحيد، ودلائل الأحكام ترشد إلى وجه الحق، وترفع غمة الجهل، وهذا هو شرف السورة؛ فيكون شرفًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الولاية، شرفًا لنا في الهداية.
(وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) نهى عن التهاون في إقامة العقوبات عمومًا، والفواحش خصوصًا؛ لأنَّ مبناها على المحبة والشهوة، فيزين الشيطان انعطاف القلوب على أهلها، حتى يدخل كثير من الناس في الدياثة وقلة الغيرة، وربما ظن أنَّ هذا رحمة ولين جانب، وإنما ذلك مهانة وضعف إيمان، وإعانة على الإثم والعدوان، وترك للتناهي عن الفحشاء والمنكر.
إلى من يتسابق في نشر المقاطع المحرمة في الجوال أو النت:
تأمل قوله تعالى: (لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ففي الآية دليل على أن من سن شرًا أعظم إثمًا ممن وافقه عليه؛ لأن المتولي للكبر كان السابق إلى الإفك، وسائرهم صدَّق قوله، فاستوجب ضِعف العذاب.
لا تُعِد إرسال الباطل ولو كان حرفًا!
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) (النور: ١٥) قال مجاهد ومقاتل: يرويه بعضُكم عن بعض، وقال الزجاج: يلقيه بعضكم إلى بعض.
العاقل هو الذي يتحسس معايب نفسه، وينظر معايب نفسه ليصلحها، لا أن ينظر معايب الغير ليشيعها -والعياذ بالله-؛ ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ).
نزلت في أبي بكر لما حلف ألا ينفق على مسطح بعد قذف عائشة، ولم يشر الله إلى خطيئة مسطح، حيث تم إقامة الحد عليه فطهَّره.
فهل نتعامل مع أصحاب الذنوب بمثل ذلك إذا تابوا أو طهروا؛ فلا نذكرهم بسوءٍ أبدًا؟!
لماذا توصف المؤمنات المحصنات بـ (الْغَافِلَاتِ)؟ إنه وصف لطيف محمود يُجَسّد المجتمع البريء، والبيت الطاهر الذي تشب فتياته: زهرات ناصعات، لا يعرفن الإثم، إنهن غافلات عن ملوثات الطباع السافلة. وإذا كان الأمر كذلك، فتأملوا كيف تتعاون الأقلام الساقطة، والأفلام الهابطة؛ لتمزِّق حجاب الغفلة هذا، ثم تتسابق وتتنافس في شرح المعاصي، وفضح الأسرار وهتك الأستار، وفتح عيون الصغار قبل الكبار؟! ألا ساء ما يزرون!!
وليس في حماية الفتاة من الاختلاط بغير محارمها تضييق لدائرة الحياة في وجهها، وإنما هو احتفاظ بكرامتها، وتوفير لهناءها؛ إذ بصيانتها عن الاختلاط تعيش بقلب طاهر ونفس مطمئنة، وبهذه الصيانة تزيد الصلة بينها وبين زوجها وأولي الفضل من أقاربها متانة وصفاء.
القرآن لا يفتح كنوز أسراره إلا لمأذون، ولا إذن لمن تعلق بقلبه شيء من كبرياء الهوى، واستعلاء الفهوم، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)، فاخضع لربك واخنع قبل طرق الباب.
(وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) أيها الجيل: ليس بعد نبيِّنا نبيٌّ، ولا بعد كتابنا كتابٌ، ولا بعد أمَّتنا أمَّة، الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ، فاقصد البحرَ وخلِّ القنوات!