الاستعانة فرع عن العبادة، ولكن لأهميتها أفردت لذاتها؛ فكانت مسلكًا خاصًا إلى توحيد الله وإفراده رغبًا ورهبًا، فلا استقامة على العبادة -ابتداء- إلا بالاستعانة بالله، ولا ثبات على العبادة -انتهاء- إلا بالله.
تكبير الله على هدايته جاء في ثنايا آيات الصيام: (ولتكبروا الله على ما هداكم )وفي ثنايا آيات الحج: (ولتكبروا الله على ما هداكم) فإذا أردت أن تعرف موقع هاتين الآيتين الكريمتين، فيكفي أن تتذكر أن هناك 5 مليارات من البشر محرومون من هذه الهداية! فلمن المنة؟ (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) .
ختمت آيات الحج في سورة البقرة بقوله تعالى: (وعلموا أنكم إليه تحشرون) فتأمل كلمة: (تحشرون) ومناسبتها لزحمة الحج؛ فمن حشركم هذا الحشر باختياركم، فهو قادر سبحانه على أن يحشركم بغير اختياركم.
(ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) كم يفوت علينا من الخير العظيم عندما نقصرها على بعض معانيها، دون أن نقف متدبرين للوازم تحققها؛ حيث إن من إكمال العدة إتمامها عددًا وكيفًا، ويستلزم ذلك الاستمرار في أداء كل العبادات التي لها مزيد مزية وفضل في رمضان، بهمة وفرح ونشاط كأول الشهر والعشر. فلا يفوت عليك خير عظيم لفوات معنى دقيق
لما ذكر الله تعالى المنهيَّات في الصيام والاعتكاف، أعقبها بقوله: (تلك حدود الله فلا تقربوها) أبلغ من: (فلا تفعلوها)؛ لأنَّ القربان يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه.
كلما ازداد حجم الجبل ارتفاعًا ورسوخًا، كان أقوى في ثبات الأرض، وعدم اضطرابها بأهلها، تدبر هاتين الآيتين: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ)، (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) .
فكذلك أثر العالم في تثبيت الأمة أزمنة الفتن، حسب رسوخه وعلو اهتماماته.
( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) الجملة تتضمن غرضين:
الغرض الأول: الأمر بالتزوُّد للحج؛ إبطالًا لما كانوا يفعلونه من ترك التزوُّد للحجِّ، وقطعًا لتعلق القلب بالخلق عن الخالق، ويؤيد هذا سبب النزول من قول ابن عباس: «كان أهل اليمن يحجُّون ولا يتزوَّدون، ويقولون: نحن المتوكِّلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى:(وتزودوا فإن خير الزاد التقوى
والغرض الثاني لقوله تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) الحث على التزود من الطاعات للآخرة، وهو إشارة إلى استغلال موسم الحجِّ بالطاعة فيه، ويؤيد هذا الغرض: تعقيب الجملة بقوله تعالى: (فإن خير الزاد التقوى
في آيات الحج الاثنتي عشرة في سورة البقرة اثنا عشر أمرًا بالتقوى وأسبابها من الذِكْر والاستغفار ومجانبة ما يناقضها من فسوق وجدال؛ وذلك كله تأكيد على أن حج القلب قبل حج البدن.
لما جاءت سورة الرحمن بذكر نعمٍ تجل عن الإحاطة بالوصف ويعجز العارف بها عن شكرها، تكرر قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، في عامة السورة؛ وذلك أنها نعم ظاهرة مشاهدة لكل مخلوق، ولا طمع لأحد في نسبتها لغير الله تعالى، فتتابع التكرار واشتد الإنكار على من كذب بشيء من ذلك.
(ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) فتأمل (على ما هداكم ) إنها تقطع أوصال العجب.. فما منك شيء أيها الصائم القائم المنفق، بل هي هداية الله وحده؛ ولذا ذكرك ربك بقوله: (ولعلكم تشكرون).