من أساليب القرآن أنه قد يأتي بالشيء وهو معلوم بالبديهة اللغوية أوالحسابية أو العادية أو العقلية، فمن ذلك: قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) فذكر الليل، ومن المعلوم أن الإسراء لا يكون إلا ليلًا؛ لزيادة استحضار صورة الإسراء في ذهن السامع، حتى يكون كأنه قد حضر تلك المعجزة، وهذا أشد في التأثير.
وصف الله عذابه للكفار بأنه (عَذَابٌ مُّهِينٌ) فإن قيل: وهل هناك عذاب غير مهين؟ قيل: المهين هو المورث صاحبه ذلة وهوانًا، ويخلد فيه صاحبه لا ينتقل من هوانه إلى عز وكرامة أبدًا، وهو المختص بالكفار، وأما الذي هو غير مهين، فهو ما كان تمحيصًا لصاحبه، كأهل الكبائر الذين يعذبون في الآخرة ليمحصوا، فإن ذلك وإن كان عذابًا فهو غير مهين؛ لأن الغاية تمحيصه من آثامه ثم يورد معدن العز والكرامة ويخلد في نعيم الجنان.
قال ابن تيمية في ردّه على الفلاسفة: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) فأقوم الطرق إلى أشرف المطالب ما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأما طريق هؤلاء فهي -مع ضلالهم في البعض، واعوجاج طريقهم، وطولها في البعض الأخرى- إنما يوصلهم إلى أمر لا ينجي من عذاب الله، فضلًا عن أن يوجب لهم السعادة، فضلًا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم.
اجتمعت كلمةٌ إلى نظرة، إلى خاطر قبيح وفكرة، في كتاب يحصي حتى الذرَّة، والعصاةُ عن المعاصي في سكرة؛ فجنوا ما جنوا ثمار ما غرسوه: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ).
إذا كان جزاء الفسح في المكان، هو توسعة الرزق في الدنيا، وتوسعة المنازل في الجنة، وهي لا تضر الفاسحَ شيئًا، ولا تكلفه جهدًا، فكيف بمن فرج عن مسلم كربة، أو دفع عنه مسغبة، أو قضى له حاجة؟!
وفي قوله تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) سر بديع وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم والفضل العميم.
حياتك بعد موتك كتاب سيقرأه الآخرون فأحسن كتابته، ولا تظنن أن جودة الغلاف تنفع إذا كانت معلومات كتابك رديئة أو سيئة؛ فغدًا يقال: (اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا).
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر: ٢) من أعظم المواعظ وأشدها تأثيرًا على النفس، الاعتبار بالغير، ومن خذلان الله للعبد تعطيلُ هذا النوع من المواعظ البليغة في نفسه!
حين تعظُم الفروق في الدنيا بين الناس غنًى وفقرًا، فهي في الآخرة أعظم في كلِّ شيءٍ: (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) ).