في هذه الآية إرشادٌ لطيف لفائدة مهمة، وهي: أنه ينبغي للمسلمين أن يعدُّوا لكلِّ مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفِّر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرَّقت الطرق وتعددت المشارب، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور.
كم تشدّني دلالة هذه الآية في كشفها عن طبيعة بعض النفوس وتجنيها: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، وذلك عندما أسمع الاتهام للعلماء بأنهم لم يقوموا بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناصحة الولاة والدفاع عن المظلومين، وبخاصة عندما يكون الاتهام بالتعميم دون استثناء. ولو علموا ما يقوم به العلماء لما أطلقوا هذه التهم، ولكنهم جهلوا فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه أو يدركوا سببه.
دلَّ قوله تعالى: (وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ) على أنَّ النظر إلى حالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهديه وأخلاقه وأعماله وما يدعو إليه من أعظم الأدلة على صدقه وصحة ما جاء به، وأنه يكفي البصير عن غيره من الأدلة.
مقدار الدنيا: هل كنتَ يومًا ما في صالةِ انتظار، فتعرفت على من بجوارك، وتحدثتما ثم افترقتما؟ كذا الدنيا (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ).
(إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) جاءت هذه الآية كالتعليل لما قبلها: (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ) وذلك أن سنة الله جرت بأن يجعل العزة في جانب المؤمنين المتقين، فإذا ابتلوا بعدو ينالهم بأذى، فصبروا عليه، وجاهدوا في دفاعه عن أنفسهم بكل ممكن؛ فعاقبتهم الخلاص من الباغي، ثم لا يلبثون أن يدركوا عزتهم، وتكون يدهم فوق يد عدوهم.