فما أولانا بتدبر كتابه الكريم تدبر من يريد العلم ومن هو مؤمن بهذا الكتاب العظيم وأنه كلام الله حقًا، قاصدين معرفة مراد ربهم ، والعمل بذلك عملًا بقوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُواْ الْأَلْبَابِ) مستشعرين قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ، وقوله: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) .
كم من عالم لا يرتفع بعلمه! وذلك لضعف إيمانه، وقلة إخلاصه، وضعف عنايته بأمر قلبه، لا لقلة علمه، وذلك أن الله وعد بالرفعة من جمع الإيمان والعلم فقال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) وهذا سر ارتفاع قدر أفراد من العلماء من بين سائر أهل العلم.
إن الخصومات إذا غارت جذورها، وتفرعت أشواكها، شَلَّت زهرات الإيمان الغض، وأذوت ما يوحي به من حنان وسلام (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُو).
القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما تراميا به إلى التلف ولا بد، وهما: الرياء، والكبر، فدواء الرياء بـ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، ودواء الكبر بـ (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). كما ذكر ذلك ابن القيم r، ونقل عن شيخه ابن تيمية أن (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)تدفع الرياء، و (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تدفع الكبرياء. يقول ابن القيم: «فإذا عوفي من مرض الرياء بـ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، ومن مرض الكبر والعُجب بـ (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، ومن مرض الضلال والجهل بـ (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) عوفي من أمراضه وأسقامه ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم، (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ) (الضَّالِّينَ)، وهم أهل فساد القلب، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، و (الضَّالِّينَ) وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه، وحُق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض».
لا تكثر الالتفات:
قد يشغلك الكارهون للحق بسفهاء من ورائك؛ حتى يكثر التفاتك إليهم فيتأخر وصولك، قال الله لنبيه لوط: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) .
منهج في التربية:
جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: تنهى عن الواصلة؟ قال: نعم! قالت: فعله بعض نسائك!
فقال: ما حفِظتُ وصية العبد الصالح إذن: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ).
(إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) لم يلتفت شعيب لقدحهم في شخصه، ولم يأخذه العجب باعترافهم بقوة رهطه، بل تأثر لعدم إيمانهم، وحزن لجهلهم بأن عزته وقوته هي بالله وحده.