تأمل قوله تعالى عن النسوة: (امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ) ولم يقلن: (فتى العزيز راود سيدته)، وفي هذا طمأنة لأصحاب المبادئ الذين يتعرضون لتشويه السمعة، وإلصاق التهم عن طريق الإشاعات والافتراء، إذ سرعان ما تتضح مواقفهم، وتظهر براءتهم ساطعة كالشمس: (الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ)
في العيد تبهرنا المناظر الحسنة، والوجوه المشرقة، والبسمات المبهجة؛ لذا نعيش العيد فرحًا وسرورًا، فلم لا نتفاعل في حياتنا وواقع أمتنا مع الجوانب المضيئة فيها، ونتعامل مع المستجدات بروح الرضا والغبطة والتفاؤل؛ استجابة لقوله سبحانه: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ)؟ فكم في واقعنا من إفضاله ورحماته سبحانه ما لا يمكن حصره وإحصاؤه؟
انظر إلى قوله تعالى في سورة يوسف عن النسوة: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، وقول الملك ليوسف: (فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) )، فيه أن النساء يروقهن حسن المظهر، وأما الرجال فيروقهم جمال المنطق والمخبر، وتلك من الطبيعة التي خلقها الله تعالى في النفوس.
عندما تتصف المرأة بخصال تشينها خلقًا ودينًا، فإنها تجتهد في توريط بنات جنسها بذلك، مستغلة مكانتها وطيبة كثير من النساء؛ فتوردهن -بمكرها- المهالك، قف وتأمل قصة امرأة العزيز مع نسوة المدينة، فبعد استنكار الباطل، أصبحن للشر أعوانًا!
(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) محبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك وأبعد من الإخلاص، كانت محبته بعشق الصور أشد، وكلما كان أكثر إخلاصًا وأشد توحيدًا، كان أبعد من عشق الصور؛ ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق لشركها ونجا منه يوسف الصديق بإخلاصه .
(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) وذلك لأنَّ الميل إليهنَّ جهْلٌ؛ لأنه يكون قد آثر لذةً قليلةً منغَّصةً على لذاتٍ متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومن آثر هذا على هذا، فمَن أجهلُ منه؟!
(نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) لجأ أهل السجن إلى يوسف لتعبير رؤياهم، وهم لا يعرفون أنه من أهل العلم، ولا يعلمون أنه معبر للرؤى من قبل، فهم من الكفار والملك كافر والبلدة كافرة؛ لأن أهل الصلاح يظهر صلاحهم على وجوههم، والناس يحبونهم وينجذبون إليهم، فإن أهل السجن قالوا بعدها: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) حالتك وسيرتك وهيئتك وأفعالك تدل على أنك من المحسنين والصالحين.
لا فرق بين عبادة القبر ومن فيه، وعبادة الصنم، وتأمل قول الله تعالى عن نبيِّه يوسف بن يعقوب حيث قال: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) فقوله: (مِنْ شَيْءٍ) نكرة في سياق النفي تعمُّ كلَّ شركٍ.
تأمَّل هذا السر العظيم من أسرار التنزيل وإعجاز القرآن الكريم: ذلك أن الله - تعالى - لما ذكر في فاتحة سورة النور شناعة جريمة الزنى، وتحريمها تحريما غائبا، ذكر سبحانه من فاتحتها إلى تمام الآية 33: أربع عشرة وسيلة وقائية: تحجب هذه الفاحشة، وتقاوم وقوعها في مجتمع الطهر والعفاف جماعة المسلمين، وهذه الوسائل الواقية: فعلية، وقولية، وإرادية.
د. بكر أبو زيد، حراسة الفضيلة ١٥٨
فحاول أن تستخرجها زادك الله فهمًا في كتابه .
سئل الشيخ ابن باز: هل هناك فرق في الأجر بين قراءة القرآن من المصحف أو عن ظهر قلب؟ فأجاب: لا أعلم دليلًا يفرق بينهما، وإنما المشروع التدبر وإحضار القلب، فإذا كانت القراءة عن ظهر قلب أخشع لقلبه وأقرب إلى تدبر القرآن، فهي أفضل، وإن كانت القراءة من المصحف أخشع لقلبه وأكمل في تدبره، كانت أفضل.
فتأمل -وفقك الله- كيف دار جواب الشيخ على حضور القلب والتدبر، فليتنا نتدبر هذا الجواب؛ لنتدبر أعظم كتاب.