"تجارة لا يمكن سرقتها..
تأمل قوله عزوجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) ماذا يرجون؟ (يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) يرجون تجارة لا يسطو عليها لص ولا سارق، ولا يخاف عليها من كساد، إنما هي رابحة لن تبور (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ) (فاطر:٣٠)، فهي تجارة رابحة -أيها الإخوان- فأين المشترون؟
"
قدم الظالم لكثرته، ثم المقتصد وهو أقل ممن قبله، ثم السابقين وهم أقل، فإن قُلت: لَمِ قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت: للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل.
قال الحسن البصري: إن المؤمنين قوم ذلت - والله - منهم الأسماع والأبصار والأبدان؛ حتى حسبهم الجاهل مرضى، وهم -والله- أصحاب القلوب، ألا تراه يقول: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) والله لقد كابدوا في الدنيا حزنًا شديدًا، والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولكن أبكاهم وأحزنهم الخوف من النار.
(أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) قال ابن الجوزي: إذا انتصف شهر رمضان، فقد ذهب نصف البضاعة في التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعة بعد ساعة، والشمس والقمر بحسبان، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ) (البقرة:١٨٥) يا واقفًا في مقام التحيُّر، هل أنت على عزم التغير؟ إلى متى ترضى بالنزول في منزل الهوان، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ).
(وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) قال ابن القيم: «وقد شاهد الناسُ عيانًا أنَّ مَن عاش بالمكر مات بالفقر»، ثم ذكر أمثلة كثيرة ومهمة كأنها تحكي واقع الناس اليوم، تحسن مراجعتها في أواخر المجلد الأول من «إغاثة اللهفان».
الثقة بالله شقَّت لموسى -عليه السلام- البحر، وبرَّدت النار على إبراهيم -عليه السلام-، ونجَّت محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في الغار.. هذه الثقة بالله لا يذوق حلاوتها إلا من عرف الله!
تأمل قوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) فقوله: (مَعَهُ) تبين أهمية مرافقة الأب لابنه ومصاحبته له، والذي يثمر- غالبًا- سمعًا وطاعة واستجابة؛ ولذا قال هذا الابن البار - لما عرض عليه أبوه أمر الذبح-: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ).
"عندما تنتصر في جولة مع الباطل، فاحذر أن تتصور انتهاء المعركة معه؛ فأهل الباطل أصبر على نصر باطلهم من صبر كثير من أهل الحق على نصرة الحق، وهذه الآيات تكشف الحقيقة: (وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)، (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا) (الفرقان:٤٢).
"
الإيمان والعمل الصالح من أعظم ما يضبط مسار المعاملات المالية؛ ألم يقل الله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، فأين دعاة الفصل بين الدين والحياة؟!
يجب على من عَلِمَ كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويخشى الله ويتقيه، ويراقبه ويستحييه؛ فإنه حُمِّلَ أعباءَ الرسل، وصار شهيدًا في القيامة على من خالف من أهل الملل، فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه: أن يتلوه حق تلاوته، ويتدبر حقائق عبارته، ويتفهم عجائبه، ويتبين غرائبه.