حين يَقْصُرُ بعض الناس قولَه تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) على معرفة جنس الجنين، أو القدرة على تحديده -بإذن الله-، فإن ذلك يحدث لهم إشكالات، بينما هي تشمل: الرزق، والأجل، والسعادة والشقاء، وغير ذلك مما يتصل بحياة الجنين، وحينها تزول تلك الإشكالات التي يثيرها بعضهم بسبب تقدم الطب في علم الأجنة.
إنَّ علمًـا لا يبعدك اليوم عن المعاصي، ولا يحملك على الطاعة، لن يبعدك غدًا عن نار جهنم، وإذا لم تعمل اليوم، ولم تتدارك أيامك الماضية، فستقول غدًا يوم القيامة: (فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا)، فسيقال لك: يا أحمق! أنت قد جئت من هناك!!
إن غاية الحياة تتحقق كلها في الصلاة؛ فالصلاة اتصال بالله واستعداد لحياة الخلود، ثم إنها لذة لا تعدلها -إذا أقيمت على وجهها- لذة من لذائذ الحياة، تدبر حال المحبين للصلاة: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا).
سر عجيب في قوله تعالى عن أئمة المتقين: (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (السجدة:٢٤) ليعلم أن هدايتهم بما أمر به سبحانه على لسان رسوله، لا بمقتضى عقولهم وآرائهم وسياساتهم وأذواقهم، وتقليد أسلافهم بغير برهان من الله؛ لأنه قال: (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا).
(وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) الظنون من الهواجس والخواطر التي لا يمكن لبشر أن يدفعها، فلا تعتبر منقصة في حق الصحابة، بل هم مؤمنون صادقون واثقون من نصر الله، لكن الله ذكر ذلك؛ ليبين الموقف النفسي الذي أصاب سكان المدينة عموما على اختلاف طبقاتهم الإيمانية آنذاك.
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) من هدي هذه الآية أن وارث مقام التعليم يجب أن يكون قدوةً في سمته وأخلاقه وسيرته، تقيًا ورعًا، مجتنبًا للمحرمات بعيدًا عن الشبهات؛ فإذا كان كذلك، نفعهم بسيرته وأخلاقه أكثر مما ينفعهم بعلمه.
(فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) إذا كان هذا الطمع في أمهات المؤمنين، فلا بد أن يكون في غيرهن بطريق الأولى؛ فإن الله اختار لنبيِّه أفضل النساء وأعفهن، ومع ذلك أمرهنَّ بالحجاب ونهاهنَّ عن الخضوع بالقول صيانةً لهن، فغيرهنَّ أولى بالصيانة والتحفُّظ والبعد عن أسباب العهر والفتنة.
(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) (الأحزاب: ٣٣) عبر بـ (وَقَرْنَ) دون لفظ المكث والقعود؛ لتضمن معنى الاستقرار البدني والنفسي والاجتماعي، كما هو مشاهد، مما يغيب عن فهم المستغربين، فيصورون الأمر على أنه حبس للمرأة وانتقاص لحريتها، زعموا!
إذا كمل خوف العبد من ربه، لم يخف شيئًا سواه، قال الله تعالى:(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) وإذا نقص خوفه، خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف.
قال ابن عطية: قال لي أبي: هذه أرجى آية عندي في كتاب الله؛ لأن الله قد أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلًا كبيرًا، وقد بين الله تعالى الفضل الكبير في قوله: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (الشورى: ٢٢).