تأمل في قوله تعالى عن المنافقين: (ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لايبصرون) كيف قال: (بنورهم) فجعله واحدًا، ولما ذكر (ظلمات) جمعها؛ لأن الحق واحد -وهو الصراط المستقيم- بخلاف طرق الباطل، فإنها متعددة متشعبة؛ ولهذا يفرد الله الحق ويجمع الباطل كقوله: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) .
ذكر سبحانه رسوله بالعبودية في أشرف مقاماته: فقال في التحدي: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ)، وفي مقام الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) ، وفي مقام الدعوة: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) ، فأشرف صفات العبد صفة العبودية، وأحب أسمائه إلى الله اسم العبودية.
من لطائف اللغة العربية: أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجيء منها إلا بصيغة (الاستفعال) أو (التفعل)؛ إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلبًا الكبر، أو متكلفًا له، وما هو بكبير حقًَا.
قال سهل بن عبدالله : ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي؛ لأن آدم نهي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب الله عليه، وإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يتب عليه.
لدعاة الضلالة في إغواء الناس طريقتان: طريقة لبس الحق بالباطل، وهي المشار إليها بقوله تعالى: وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وطريقة جحد الحق وإخفائه، وهي المشار إليها بقوله وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ
إغراق العدو أو إهلاكه نعمة، وكونه ينظر إلى عدوه -وهو يغرق- نعمة أخرى؛ لأنه يشفي صدره؛ وعند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله تعالى.
حاول بعض الفصحاء والبلغاء في الأندلس أن يَنْظِم شيئًا يُشبه القرآن، فنظر في سورة (الإخلاص)؛ ليحذو على مثالها وينسج -بزعمه- على منوالها، قال: فاعترتني خشية ورقة؛ حملتني على التوبة والإنابة.
قال الله عن اليهود: (الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ) إنما قال: (يَنقُضُونَ) بفعل الاستقبال مع أنهم كانوا قد نقضوه قبل نزول الآية؛ لإفادة استمرارهم على ذلك، وأنه لم يكن هفوة رجعوا عنها، وندموا عليها، بل إنهم ينقضونه في كل مرة وإن تكرر، وهو يصدق على عهود طوائف اليهود الذين كانوا حول المدينة في جملتهم..