في هذه الآية أدب من آداب الدعاء: وهو تعظيم الرغبة، وعلو الهمة في الطلب، فسليمان لم يكتف بسؤال الله المغفرة، ولكنه -لعلو همته وعلمه بسعة فضل ربه- سأله مع ذلك ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأجاب الله دعاءه، وسخر له الريح، والشياطين، بل وله في الآخرة زلفى وحسن مآب.
قال تعالى في الثناء على أيوب (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) فأطلق عليه: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) بكونه وجده صابرًا، وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتلي، فإنه: بئس العبد.
"(جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ) تأملها، تجد تحتها معنىً بديعًا، فهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها بل تبقى مفتحة، بعكس أبواب النار فهي موصدة على أهلها.
وفي تفتيح الأبواب إشارة إلى:
١- ذهابهم وإيابهم وتبوئهم من الجنة حيث شاؤوا.
٢- دخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف.
٣- أنها دار أمن، لا يحتاجون إلى غلق الأبواب كما في الدنيا.
"
في قول إبليس: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) علق الشنقيطي على ذلك فقال: بل الطين خيرٌ من النار؛ لأن طبيعة النار الخفة والطيش والإفساد والتفريق، وطبيعة الطين الرزانة والإصلاح، تودعه الحبة فيعطيكها سنبلة، والنواة فيعطيكها نخلة، فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة، والأزهار الجميلة، والروائح الطيبة؛ تعلم أن الطين خير من النار.
(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) ذكر بعض المفسرين أنها في الصائمين؛ لأن رمضان شهر الصبر.. وليس المراد الصبر عن المفطرات فحسب، بل يشمل الصبر عن كل ما يؤثر على الصيام، وبالأخص اللغو والمعاصي كما في الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه».
قال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال: قول الله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا)، فقال ابن عباس : لكن أنا أقول: قول الله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى) (البقرة: ٢٦٠)، فرضي من إبراهيم قوله: (بَلَى) فهذا لما يعرض في الصدور، ويوسوس به الشيطان.
"ماذا نفعل مع من أساء إلينا ثم اعتذر؟
أنعفو عنه ثم ندعو له ونثني عليه فيمن حولنا؟
انظر هذا الكرم والعفو والرحمة، ثم تأمل حالك(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ).
"