(لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) جاء النهي عن الحزن في القرآن في مواضع؛ لأنه يوهن العزم، ويضعف القلب، ويُقنّط من رحمة الله، إلاّ ما كان حُزنًا طبيعيًا: كالحزن على فراق حبيب.
لا تجزع من الألم، ولا تخف من المعاناة، فربما كانت قوةً لك ومتاعًا إلى حين؛ فإنك إن تعش مشبوب الفؤاد، محروق الجوى، ملذوع النفس، أرق وأصفى من أن تعيش بارد المشاعر، فاتر الهمة، خامد النفس، وتأمل: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ).
طالبُ العلم الذي طلبه ليعمل به ويبلغّه الناس؛ كالمجاهد في سبيل الله، وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).
(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء بحسب استطاعتي، ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ) في تعدية الفعل (راود) بحرف الجر (عن) سرٌّ، فإنه لما كانت المراودة تدل على الحركة، وكان حرف (عن) يدل على المجاوزة، فكأنها أرادت بكلِّ حيلها وأنوثتها تجريده من نفسه هو؛ ليكون لها وحدها.
"(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) شهد الله في هذه الآية على طهارة يوسف أربع مرات:
١-(لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) واللام للتأكيد، وأن السوء صرف عنه، وهذا أبلغ من أن يصرف هو عن السوء.
٢- (وَالْفَحْشَاءَ): فصرف عنه السوء والفحشاء.
٣- (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا) فأضافه إليه.
٤- (الْمُخْلَصِينَ)، وقرئت بفتح اللام وكسرها.
(وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ) وفي ذكر قدِّ القميص، وتحديد مكان القدِّ، فيه إشارة إلى أن يوسف هو الأسبق إلى الباب، وهذا يعني أنه هو الهارب وهي المطارِدة. وفي ذكر مادة (القدِّ) دون (الشق)؛ لأن القدَّ لا يكون إلا طولًا، وهذا أكثر مطابقة للواقع.