من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيَه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره! وأعجب من كل ذلك.. علمك أنَّك لا بد لك منه، وأنك أحوجُ شيءٍ إليه، وأنت عنه مُعرِض، وفيما يبعدك عنه راغب!
يقول ابن عقيل الحنبلي: ما أخوفني أن أساكن معصية فتكون سببًا في سقوط عملي وسقوط منزلتي -إن كانت عند الله تعالى- بعدما سمعت قوله تعالى: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)؛ فإن هذا يدل على أن في بعض التسبب وسوء الأدب على الشريعة ما يحبط الأعمال، ولا يشعر العامل إلا أنه عصيان ينتهي إلى رتبة الإحباط. وقد علق ابن مفلح قائلًا: هذا يجعل الفطن خائفًا وجلًا من الإقدام على المآثم، وخوفًا أن يكون تحتها من العقوبة ما يماثل هذه.
هذه بشارة عظيمة لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجندِه، أنَّ له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان -؛ لحكمة يريدها الله تعالى- فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلًا؟
"في هذه الآية قاعدة من قواعد تدقيق الأخبار، ومن أولى ما يكون تبيُّن ما تنشره بعض وسائل الإعلام عن أهل الحسبة وغيرهم من القائمين بشؤون الناس، فمع إمكانية وقوع الخطأ من كلِّ أحد، ألا ينبغي التبيُّن في أخبار تلك الوسائل:
١- لتلبُّس كثير منها بالفسق الفكري والأخلاقي.
٢- لأن بعض الكتاب قد تكون له مواقف شخصية، فيجد في المنفذ الإعلامي فرصةً للتنفيس عما في نفسه.
٣- ثبوت الكذب أو التحريف والمبالغة في كثير من تلك الأخبار التي تذكر عن هذه الجهة أو تلك.
"
قال أبو سعيد الخدري: قال الله لهم -وهم أصحاب نبيِّه-: (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) (الحجرات: ٧) فكيف بمن دونهم من الناس؟! هم أعجز رأيًا!
فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم؛ فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هم أشد حالًا وأعظم وبالًا من العصاة.
إذا مرض المسلم عاده المسلمون، وإذا افتقر أعانوه، وإذا أحسن شكروه، وإذا كان مظلومًا نصروه، وإذا ظَلَم ردعوه؛ دينهم نصيحة وأمر بمعروف ونهي عن منكر؛ أليس الله يقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)؟
في هذه الآية: أن مما يفتح الله به على العبد في معرفة الأحكام الشرعية أن يكون مصدقًا موقنًا، فكلما كنت مصدقًا موقنًا، فاعلم أن الله سيفتح لك ما لا يفتحه لغيرك، وعليه: فالواجب على المرء أن يقبل الحق فور علمه به؛ لئلا يقع في أمر مريج.
قيد الله التبصرة والذكرى للعبد بوصفه (مُّنِيبٍ) وهو -الراجع إلى مولاه-؛ لأنه هو المنتفع بالذكرى، وفي قوله تعالى بعدها: (رِزْقًا لِلْعِبَادِ) (ق: ١١)، أطلق الوصف بغير تقييد؛ لأن الرزق حاصل لكل أحد، غير أن المنيب يأكل ذاكرًا شاكرًا للإنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام!.