تأمل هذا الأدب الرفيع والخلق السامي بين موسى وفتاه: فموسى يعامله كرفيق لا خادم: (آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)، وفتاه يُـحمِّل نفسه المسؤولية وحده: (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ) مع أن الحقيقة أنهما (ﯽ ﯾ) جميعًا .. إنها أخلاق الأنبياء!
(هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) بدأه بعد السلام بالاستئذان على متابعته، وأنه لا يتبعه إلا بإذنه، وقوله: (عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ) يبين أنه لم يأتِ ليمتحن ولا ليتعنَّت، إنما جاء متعلِّمًا مستزيدًا.
قوله تعالى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) فيه دلالة على أنَّ قلوب المؤمنين مجبولة على إنكار المنكر، وغير مالكة للصبر على احتماله؛ لأنَّ موسى وعد الخضر أن يصبر على ما يراه منه، فلما رأى ما رأى أنكره عليه.
(وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) قد جعل الله لكل شيءٍ سببًا، فالفلَّاح الذي يقعد في بيته ويقول: اللهم أنبت لي الزرع؛ لا ينبت الله زرعه.
فالله لا يبدِّلُ سننه وقوانينه في الخلق من أجل فلَّاح مهمل، ولا تلميذ كسلان!
تحدث ابن تيمية عن صفات الفرق الناجية قائلًا:
ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم، وجماع الشر: الجهل والظلم؛ قال الله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).
(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) حسن الصوت، ثم قال: والأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى وزيادة في الخلق ومنة، وأحق ما لبست هذه الحلة النفيسة والموهبة الكريمة كتاب الله؛ فنِعمُ الله إذا صرفت في الطاعات، فقد قضي بها حق النعمة.
تأمل في قول الله في قصة سليمان: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)، ولم يقل: (غدوها ورواحها شهران..)؟ لعل السرَّ في ذلك -والله أعلم-: أنَّ في هذا تحديدًا لمدة سيرها من أول النهار إلى منتصفه، ومن منتصفه إلى نهايته، بينما لو قيل: غدوُّها ورواحُها شهران، لم يتضح هذا الفرق الدقيق.