وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) فاستعملت (على) في جانب الحق، و(في) في جانب الباطل؛ لأنَّ صاحب الحقِّ كأنه مُسْتَعْلٍ يرقب نظره كيف شاء؛ ظاهرةً له الأشياء، وصاحب الباطل كأنه منغمسٌ في ظلام، ولا يدرى أين توجَّه.
شرب عبد الله بن عمر ماء باردًا، فبكى فاشتد بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟! قال: ذكرت آية في كتاب الله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)، فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله: (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) (الأعراف: ٥٠)
تضمنت الآية غرورين:
- غرورًا يغتره المرء من تلقاء نفسه ويزين لنفسه من المظاهر الفاتنة التي تلوح له في هذه الدنيا ما يتوهمه خيرًا ولا ينظر في عواقبه بحيث تخفى مضاره في باديء الرأي ولا يظن أنه من الشيطان.
- غرورًا يتلقاه ممن يغره وهو الشيطان.
وكذلك الغرور كله في هذا العالم بعضه يمليه المرء على نفسه وبعضه يتلقاه من شياطين الإنس والجن.
تأمل هذه الآية: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) قف قليلًا، وتفكر! كم في هذه اللحظة من أنثى آدمية وغير آدمية؟ وكم من أنثى تزحف، وأخرى تمشي، وثالثة تطير، ورابعة تسبح! هي في هذه اللحظة تحمل أو تضع حملها؟! إنها بالمليارات! وكل ذلك لا يخفى على الله تعالى! فما أعظمه من درس في تربية القلب بهذه الصفة العظيمة: صفة العلم
وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) تأمل كيف بيّن شدة الاختلاف والتباين بين البحرين، ثم صرف أنظارنا إلى أجمل وأفضل ما فيها (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) الآية. فلو أننا ركزنا على الوجه المشرق لما نعايشه في حياتنا واستثمرنا ذلك بإيجابية وواقعية، لاختلفت نظرتنا للحياة مهما كانت الظروف المحيطة بنا.